إيقاعات نازفة .. حسين صقور  

حسين صقور

 

هناك عند تلك الجبال البعيدة تنثر الأرض ورودها سحرًا، وتمدّها بساطًا يفوح عطره مع وقع أقدامهم التي تفجّر ينابيع الأمل في أرض العطاء، وعند كلّ وصولٍ يومض الفجر في وطنٍ يروي أرضه بسكب جراحه، لتشمخ الجبال، وتنحني مع صدى أصواتهم وصرخاتهم المجلجلة التي تهزّ عرش الحقد المتربّص خلف فجوات تاريخه المكتوب على ظهر حرباء.. وقائع من ألمنا المخزون في ثنايا من لحمٍ وعظم.

تصعد الدرج.. تقترب من الباب المشرع.. تتجاوز الأشياء المبعثرة والمعلّقة إلى ظلّها، تخطو نحو بابٍ موصدٍ على طمأنينةٍ مؤقّتة.. تمتدّ إلى مقبضه، تفتحه، وتتجه بكامل سوادها نحو المرأة الغافية (ذراعان من الموت وكفّان).. تحاول خنقها تكبّلها.. ترمي لها ثوبًا للحداد قبل أن تغادر آخذةً منها زوجها.

على صراخها المخنوق المنبعث من غياهب الموت المؤقّت استيقظت الزوجة (رؤى).. تلفتت جانبًا، وحمدت الله ، فقد كان ذاك مجرّد حلمٍ أيقظها. نظرت للسّاعة، ونهضت مسرعةً باتجاه المطبخ، ملأت كامل الدّلّة بالماء، وضعتها على النار، ثم أعدّت بعضًا من السندويشات، وأكملت تحضير القهوة، أخذت فنجانين من طقمٍ جديدٍ، وكأنه خصّص لصباحات وداعٍ كهذه، وضعتهما مع الدّلّة في صينيّةٍ، واتجهت إلى البهو.. أيقظته وسبقته إلى مكانها المعتاد قبالة حضوره وغيابه (وهو الحاضر دومًا).

فكّرت لو أنّها استطاعت أن توقف الزمن لارتشفت عمرها الباقي قهوة هذا الصباح، تأمّلته وكأنّها تراه أوّل مرةٍ.. أخذ يرمقها بنظرات الاستغراب، وهي تداري دموعها المتأهّبة، فكم من القوّة تحتاج لتضبط شلّال خوفها.. رجته ألّا يسافر، توسّلت إليه.. وجدت نفسها عاجزةً أمام عباراته المشبعة بالإيمان.

كشفت له حلمها (سرّ خوفها)، أخذ يطمئنها، ويؤكّد لها أنّ الأقدار مكتوبةٌ على الجبين، لن يمحوها أيّ هروب أو اختباء، أعجزتها الحيلة، فرضخت لإرادته، ونهضت لتستكمل باقي حوائجه.

أما هو فأخذ يتجوّل في أرجاء منزله، يلقي نظرات الوداع، وقد بدا لكل شيءٍ قيمةٌ استثنائية. تناول كتابًا من على رفّ مكتبته.. قلّب في صفحاته، وضاع بين الكلمات.

انتفض وكأنّه تذكّر شيئًا أعاده لمكانه.. وفتح درجًا على ألبومات للذاكرة.. غاب بين أوجاعه وأفراحه، وأخرِج من بينها آماله المعلّقة (صورة ابنه).. أخذ يغلّفها بإطارٍ، وعرضها بجانب مجموعة كتبه، ثم اتّجه نحو الغرفة حيث ابنه الغافي، أخذ يتأمّله، وفكّر في إيقاظه.. لكنّه لم يفعل.. مسح دمعةً، وطبع على خدّ ابنه قبلةً.. التفت إلى عقارب الزمن التي ما كان لها أن تتوقّف يومًا عند رغباتنا لا زال هناك بعضٌ من الوقت.. سحب من جيبه منديلاً، واتّجه نحو صورة والده المعلّقة على الحائط المقابل.. مسح عنها الغبار، وقرأ الفاتحة على روحه.. تناول مسبحةً بجوار الصورة، وعلّق ساعةً ذات سلسلةٍ طويلةٍ حول إطارها.

ابتسم لزوجته مسوغًا لها أنّه لا يحتاج ساعةً لمعرفة الوقت هناك، وربّما كان من الأفضل هذا.. نظر إليها، تأمّلها، أخذ حقيبته من يدها وبذراعه الأخرى ضمّها إليه.. عانقته وطبعت قبلاً سريعةً على خدّه، على رأسه، وعلى جبينه، وعلى صدره ويده.. تدفّق شلّال خوفها دموعًا، وانفجرت بالبكاء.. مرّر كفّه على رأسها، ومسح خصلات شعرها.. تبادلا نظرات الوداع قبل أن…

 توقّف الزمن عند قبلةٍ مباغتةٍ على شفتيه.. أبعدها عنه بهدوءٍ.. فتح الباب و…

كانت العتمة ستارًا حالكًا، وكانت الساعة تشير إلى الرابعة والنصف صباحًا، وكان يمشي بلا أيّ التفات.. حين كانت كلماتها النازفة لا تزال تلاحقه بالتوصيات.

* سوريا.

شاهد أيضاً

محمد عبد الرحيم

أنا وحبيبتي نسكن في المزرعة السعيدة .. محمد عبد الرحيم

  أنا وحبيبتي نسكن بالمزرعة السعيدة، نزرع طعامنا من الفاكهة والخضروات الطازجة، كالإجاص والمشمش والعنب، …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية