إدراك .. أيمن حمدي

أيمن حمدي

للمُدركاتِ حدودٌ لا يجاوزها

إدراكُ مَن لم يُصبهُ الفاءُ والنونُ

وكيف أكني متى أجني مُنى غرسي

بفَيض وَجْدٍ وشى والسرُّ مكنونُ

ومبدأ الفاءِ فردٌ ثُم فطرتهُ

ثُم الفرائضُ ثُم العبدُ مفتونُ

وغاية النون للمشجون نافلةٌ

لكتم شوقٍ بدا والقلبُ ممنونُ

ومبدأ الحرفِ حُبٌ أنتَ غايتهُ

ومبلغ الحُبِّ باءٌ سرُّها كونوا

إن المداركَ فرعٌ عن أعنَّتها

كالحسِّ والعقل محدودٌ ومجنونُ


وهتك ستري بأن الحبَّ يفضحني


ككتمِ سري بأن القولَ موزونُ

ولستُ أرجو؛ وحقِّي؛ في محبتكم

غير الذي صُنتُهُ في قولكم صونوا

للمدركات ثلاثة حدود؛ حد من جهة الحواس لكل محسوس وذي صورة؛ وحَدٌّ من جهة العقل لكل متجرد عن الصورة؛ وحدٌ مشترك.

ثم إن المحسوسات تتفاوت في الصغر والكِبَر، وللحواس مبدأ ومنتهى في إدراك المحسوسات فلا تدرك من المحسوسات ما هو أصغر من النقطة؛ وإن كان ذا صورة؛ وما هو أكبر من السماء؛ وكذلك تقصر الحواس عن إدراك المحسوسات التي هي في غاية البعد أو في غاية القرب.

والمعقولات كذلك مع العقل، فللعقول مبادئ ومنتهيات في إدراكها بحسب القوى العقلية؛ فبان أن في الوجود من المحسوسات والمعقولات ما تعجز عن إدراكه المدارك، ولا يدرك إلا بفتحٍ من الله بطريق إمداد تلك المدارك بقوى لطيفة تدرك بها ما وراء ما ذكرنا مما تعجز عن إدراكه بحسب قواها الطبيعية المعتادة.

فأما ما وراء طور العقل فإدراكه بنور يقذفه الله في القلوب من أثر الفروض وهي إقامة الدين وحقيقة الإيمان فتنكشف الغيوب بلا معاينة (الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون). وأما ما يدق عن إدراك قوى الحواس فإدراكه بإمدادٍ إلهيٍّ من اسم من أسمائه تعالى، فيكون إدراك ما يدق عن آلةِ السمع بإمدادٍ مِن اسمه تعالى السميع، وإن شئتَ قلتَ يسمعه السامع بسمعٍ إلهي، وكذلك ما يدق عن البصر يشهده ذلك المُكاشفُ بنورٍ من اسمه تعالى البصير، وإن شئت قلتَ ببصرٍ إلهي كقوله تعالى (أسمع به وأبصِر)، وكذلك يكون الشأن في جميع المحسوسات وذوات الصوَر مما يُشاهد لمثل ذلك العبد مع خفائه عن غيره لمحدودية الحواس. وقد أجمل ما ذكرنا سبحانه وتعالى في الحديث القدسي (ما تقرّبَ إليِّ عبدي بأحب مما افترضته عليه، وما زال عبدي يتقرّبُ إليَّ بالنوافلِ حتى أحبّه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها) الحديث.

فالفروض سببٌ في القرب المقترن بالقبول المعبر عنه في الحديث بمحبته سبحانه وتعلى لعمل العبد، والنوافل سببٌ لمحبته تعالى لذات العبد المتقرّب بها ومن آثارها ما ذكرناه من الفتح الذي هو سعة إدراك العبد لما وراء حدي المعقول والمحسوس.

فهذا الذي ذكرنا بعض ما في الفاء والنون من هذا الوجه، والتصوف (فنٌ) من فنون الحياة قوامه ضبط العلاقة بينك وبين الله من جهة، وبينك وبين العالَم من جهة، وبينك وبين نفسك من جهة.

ثم إن الواقف على أصول هذه الطريقة السنية دائم السعي في سبيل الوصول إلى مبدأ الفطرة وغاية الكمون؛ فلا يُتصور منه الظهور بغير العبودية وإن ظهر عنه ما يخرق العادة بحُكم قربه وآثار ذلك القرب مما اتضح لنا. وعلى التحقيق فكُلُّ إدراكٍ إنما سببه الأول استناد الشخص المدرِك، أو الآلة المُدرَكُ بها إلى اسمٍ من أسمائه تعالى يكون منه ذلك الإدراك وإن لم يشعر المحجوبُ بهذا السبب الأول، غير أن المفتوح عليه قد أزال الله تعالى عنه حُجب الأسباب فظهر له أثرَ السبب الأول وعَلِمَ يقينا حقيقة قوله تعالى (واللهُ خلقكم وما تعملون) فنسب ما ظهر عنه إلى الحق تعالى، وقد أسماه الشرع متى ظهر عن النبي أو الرسول آيةً في حق المؤمن ومعجزةً في حق الكافر، كما أسموه إذا ما ظهر عن الولي كرامةً. وهنا يحق علينا أن نتوقف عند بعض ما قال احسين بن منصور الحلاج مما اعترض عليه كثيرٌ من الخلق كقوله رحمه الله (ما في الجبة غير الله) لمَّا حدث انفعال بعض العوالم له دون حركة ظاهرة فخشي أن يظن الناسُ فيه أنه يفعل بباطنه ما يؤثر على ما حوله مِن الأشياء الخارجة عنه، فقالها ليُعلم المشاهد أن الأثر الحادث فيما هو خارج إنما هو لله لا مِن أثر قوةٍ باطنةٍ فيه ولا مِن فعل همته إذ أنف الأكابر التأثير بالهمةِ في الأشياء لما في ذلك مِن شبهة الظهور بأفعال الربوبية.

وقد اشتبه مثل هذا الكلام على غير أهل هذا الفن ممن لم يسترشد بمرشدٍ صاحب كشفٍ جلي وبصيرةٍ نافذة وعلمٍ فائضٍ عليه مِن نتائج التقوى، قال تعالى (واتقوا الله ويُعلِّمكم الله). ومما التبس عليهم من كلام الحلاج أيضاً قوله (رأيت ربي بعين قلبي.. فقلتُ مَن أنتَ قال أنتَ) فظنوا أنَّ الحلاج يصرح بقوله سبحانه وتعالى للمشاهد أنا أنت، وحاشاه أن يقصد هذا المعنى الشديد الوهن، إذ لا اشتراك بمماثلة بين الخالق والمخلوق؛ إنما قوله (قال أنت) عبارة عن رجع الصدى في متى وصل العبد إلى أعتاب الفناء، أعني فناء الأكوان عنده بخروجه عن حسه.

وقد علِمنا أن المطلوب مِن الأعمال نتائجها وآثارها وما يتوالى عن تلك النتائج والآثار؛ و الفناء مِن آثار المداومة على الأذكار وهو غير مطلوبٍ لذاته بل لما يمن الله به على الفاني في المذكور من الأذواق والعلوم؛ قال رسول الله صلى الله عليه و آلهِ وسلم (كان الله في عماء ما فوقَه هواء وما تحتَه هواء) يعني ليس فوقه ولا تحته هواء، والعماء عبارة عن السحابة الكثيفة المظلمة؛ والحديث مشهور وهو إجابة على سؤال السائل (أين كان ربنا قبل أن يخلق الخلق) فالظاهر أن الوجود كان عبارة عن سحابة ثم فتقها الله فصارت صوراً وخلقاً؛ وهذا الذوق يدركه الفاني في درجة مِن درجات الفناء وهي درجة اضمحلال العالَم في حس الذاكر؛ فيجد الذاكر نفسه في فِناء الفناء (بكسر الفاء الأولى) فيقول للمذكور الحاضر غير المشهود (مَن أنتَ) فيرد مِن فِناء الفناء الصدى فيقول (أنت) فيعلم أنه لم يقابل غير نفسه، ولم ير غير نفسه لامتناع رؤيته تعالى بهذه الآلة فيقول ما قال الحلاج في مدحه تعالى في مقام كان الله ولا شيء معه كان؛ (لذا زادوا عليها) وهو الآن على ما عليه كان، فيستفيد صاحب هذا المشهد ذوقاً علم كان الله ولا شيء معه مما لا تسعه العبارة.

وربما وقع بعض أصحاب العلم النظري لا الذوقي في الحكم على قائل مثل هذه العبارات بأنه ممن يقول بالحلول، وقد فاتهم أن أهل هذا الطريق أجمعوا على استحالة الحلول والاتحاد حتى علموا الصبيان في الكتاتيب فقالوا (من قال بالحلول فدينه معلول) و(من قال بالاتحاد فدينه الإلحاد)؛ وكل معنى من معاني الاتحاد جاء به القوم فالمقصود الاتحاد بالأكوان لا بالمُكوِّن سبحانه؛ وهذا مما لا يُدرك بالعلم النظري بل لهم فيه فنون أصلها في معرفة أن الإنسان الكامل عبارة عن المختصر الشريف للعالَم من كون العالَم شخصًا واحدًا كثير الأعضاء.

وقد نزّه سلطان العاشقين عقيدته وعقيدة أهل هذا الطريق عن هذا الرأي فقال في تائيته الكبرى المسماة نظم السلوك (ولي مِن أتم الرؤيتين إشارةٌ.. تُنزِّه عن رأي الحلولِ عقيدتي).

فهذه عقيدة القوم بما فيهم الحلاج، ومن بدا له غير ذلك فمن حيث فهمه لا مِن حيث قصد صاحب الذوق؛ أما من يحتج بقول الحلاج (نحن روحان حللنا بدنا)؛ فأقول له: وهل ادعى أحدهم أن مِن أسمائه تعالى (روح)؟ إنما يشير الحلاج إلى تعشقه بالروح الإنساني الكلي بعدما أدرك أنه يحيا بروحٍ جزئي؛ ولَكم ظلمه علماء الرسوم المشغولون بإقامة الحدود على الخلق بحسب فهمهم وإن ضاق، فالأحرى بأرباب العقول النظر إلى ما قال بعين الإنصاف ومن عرف نفسه عرف ربه.

وبعد أن عرجنا معاً على ما لاح لنا من وجوب إيضاح بعض ما التبس من كلام الحلاج نرجع إلى ما كٌنا بصدده من الكلام عن الإدراك فنقول إنه قد اتضح لنا مما سبق أن الإدراك ينقسم إلى قسمين حسي وعقلي، فالحسي يتعلق بالمحسوسات وذوات الصوَر، وآلةُ إدراكها الحواس الخمس، والعقلي يتعلق بالمجردات، وإن لكلٍّ مِن العقل والحس حدوداً يقف عندها الحس أو العقل ويمتاز الأشخاص بحسب قواهم الحسية والعقلية. وما دقَّ إدراكه عن أوفر الناس حساً وعقلاً فيُسمى دركه فتحاً وكشفاً، فإن كان المُدرَك مجرداً عن الصورة فإدراكه بروحٍ أمري وقد يُسمى إدراكه علماً وسراً وفهماً قال تعالى (وفهمناها سليمان)، وإن كان المُدرك ذا صورةٍ فذلك كشفٌ بنورٍ أسمائي كما أوضحنا.

وقد يكون يتعلق ذلك الإدراك بأمرٍ جزئي فيكون ذلك الفهم أو الكشف جزئيا ويكون استناد المدرِك له إلى علمٍ وعملٍ جزئيين أو إلى اعتناءٍ به من مربٍّ صاحب علمٍ وكشف.

وقد يتعلق إدراك ذلك المُدرِك بأمرٍ كليٍّ فيكون ذلك الفهم أو الكشف كلياً ويسمى كشفاً محمدياً أعني أنه بعنايةٍ إلهية لاتباع صاحبه لسيد الخلق صلى الله عليه وسلم، والكلُّ محض منّةٍ يسبقها محضُ خدمة والله ولي من والاه.

شاهد أيضاً

أسامة الخولي

شوقًا إلى الله .. أسامة الخولي

  شوقًا إلى اللهِ.. لا شوقًا إلى (ليلى)   أتيتُ يحدُو دمي (لَبَّيْكَ) مَا وَلَّى …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية