أيها الموت.. تبًا لك .. رحاب السماحي

رحاب السماحي

 

إليك يا من تملك وحدك أقدم وأجلى حقيقه في الوجود.. لم أعد أهابك؛ سأكسر شوكتك على جدران قلبي الفولاذي، لن تخترق سهامك الغادرة المباغتة مدن أحلامي، ومتى جئت لن أرحب بك ولن أمنعك من مهمتك.. فقط سأنتظر ما سيأتي وكأنني في مغامرة شبقة لا تعرف الارتواء.

إليك أيها الموت.. لم تعد أخبارك تقض مضجعي، لم تعد تخيفني وتزلزل كياني كالماضي.

أنت مجرد عابث نزق تتغذى من سني البشر.. لا يعنيك من يتألم إثر فراق من يحب. البشر كلهم لديك مجرد رماد مبعثر تجمعه بعنجهية وصلف من هنا وهناك.. رماد أحلام ممزقة لإنسان كان قبيل دقائق كائنًا ثم أصبح كأن لم يكن.

أذكرك جيدًا منذ حداثتي وكنت أرى محرابك البارد من نافذة الصالون.. كنت كلما اقتربت منها أشعر أن عروقي تتجمد، ودمائي تتلاشى.. كنت أرى المقابر بحوائطها المتآكلة، وبوابتها الحديدية السوداء، وعيناى تتطلعان خلفها وتترقب علّها تفتح وأرى ما بالداخل.. إحساسى أن هناك يقطن أناس كانوا يملؤن العالم ضجيجًا وفجأة لا شيء.. وحده العدم.. النهاية والصمت المطبق كالظلام يغرق كل وجود في غموض وهيبة.. ليس لجلال الموت بل لجلال هذه الأجساد التعبة من حياة ظالمة لا ترحم.

أعرف أن قلبك قُدّ من نحاس.. لا تسمع صراخًا ولا تشعر بدموع تملأ المآقي.. فقط تخطف في سرعة البرق وتختفي وأنت تحمل معك روحًا تصبح ذكرى مؤلمة.. غصة في الحلوق.

حتى عندما واجهتك رغم تأكدي أنني أتداعى، وأوشك على الرحيل، لم أرتعد.. فقط ابتسمت وصمت، ولكنك لم تنل مني حينها لأن لحظتى لم تكن قد حانت بعد.

والآن قد هدمت محرابك البائس الذي تختبئ خلفه أيها الجبان الرعديد الذي تخشى مواجهة البشر رغم أنهم كائنات فانية.. إلا أن فناءهم هو مصدر قوتهم.. فهم بكل هدوء ينتقلون من بُعد مادي دنس لبعد روحي أسمى.. حينها لن تقوى على أرواحهم، ولن تنطلي عليهم أكاذيبك الشيطانية، سيتحررون تمامًا وإلى الأبد من سلطانك.

أيها الموت.. الغلبة في النهايه لنا.. هزيمتك لأجساد هرمت، وأكلها المرض في حرب قذرة غير متكافئة، قمة الغبن والتدليس. فهنيئًا لك، ولكنها مجرد مناورة.. جوله ليستعيد الإنسان بعدها قواه ويدوسك بقدميه كأحقر حشرة.. فالخُسران والتلاشي من نصيبك حتمًا.

شاهد أيضاً

رحاب السماحي

صناعة الأصنام .. رحاب السماحي

  لم تنتابني أية دهشة حيال السعار والزوبعة التي نجمت عن انتقاد الشيخ الشعراوي، كنت …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية