أيادٍ مبتورة .. غادة أحمد

غادة أحمد

لا أعرف كيف أشرح لك الأمر، قد يكون أشبه بامرأة كانت تغزل في سلام وهي تحسب أنها تصنع شالًا بديعًا، أو بشكل أدق كانت تظن أنها تفعل شيئًا ذا قيمة لها على الأقل. لم تكن تغضب أبدًا أو تحزن إذا ما تشابكت بعض الخيوط، أو إذا أخطأت في غرزة أو غرزتين، بل كانت تبتسم، وتقول في هدوء: لا بأس، ما دمت أواصل التعلم وأجتهد بشكل جيد، ولا أتوقف. المهم أن أستمر وسيكون كل شيء على ما يرام.

لكن في لحظة ما، بدا لها الأمر وكأنه بلا أي فائدة، وبدت أمام نفسها وكأنها لا تحسن أي شيء، بل ولم تنجز في الحقيقة أي شيء يُقال له أحسنت! فجأة تشابكت كل الخيوط مكونةً عقدًا كثيرة قد تحتاج وقتًا أطول من كل الوقت الذي قضته لنسجها، كي تصلحها. ولكن ليس هذا السيئ فحسب، بل فقدانها الشغف والرغبة في الإصلاح. والأدهى أنها لم تعد تعرف هل تتوقف، أم تكمل، وإن أكملت ففي أي طريق، بل وهل ثمة طريق يوصلها إلى هدفها، ثم تذكرتْ: وما هدفي أصلًا وماذا أريد؟

أتعرف هذه اللحظة؟ ماذا أسميها؟ شتات؟ فوضى؟ لا يقين؟ لكن لا تقل إنه يأس، فهذه المرأة ـ كما أعرفها ـ لا تيأس، كانت تتعثر وتعاندها الطرق، فتلف حولها، تصنع طريقًا إن لم يكن ثمة طريق، كانت تقبض على الأمل بمخالب لا نعرف متى نبتت فيها، وتزرعه أينما حلت بابتسامتها الهادئة وخطواتها الواثقة.. تسألني ماذا حدث، لا أدري، وهي نفسها لا تدري. أنا فقط أحاول مساعدتها، لكنها تأبى، تأبى مجرد الكلام، هي تعتبر الشكوى، أو ما نسميه تهذيبًا (الفضفضة) نوعًا من التعري يشعرها بالذل، تضجر وتحزن إذا ما اضطرت لكشف مكنون روحها، ولا تعرف من أين تأتي النساء بهذه القدرة الرهيبة على الثرثرة والشكوى من كل ما يحدث لهن. امرأة كهذه منطوية على ذاتها، غالقة كل النوافذ التي قد تتسرب منها رائحة احتراقها الداخلي، أنّى لي استيعاب آلامها وخيباتها كي أساعدها!

كان يصغي إليّ محاولًا رسم صورة ما لهذه المرأة صديقتي، محاولًا الوصول إلى جوهر المشكلة: أنتِ تصِفينها الآن، تمامًا عندما تمرين بجوار مسافر وصل لتوه حاملًا حقائبه، مقطبًا جبينه؛ لكن كيف وصل إلى هنا، رحلته طوال الطريق، بمَن التقى، وكيف حُمّل هذه الحقائب وماذا بها؟ هذا هو السؤال. مَن دربها على الصمت وبأي وسيلة، من ألقم روحها حجرًا، ومن زعزع ثقتها وإيمانها، من سرق النور من عينيها؟

حينها فقط جلت ببصري بداخلي وبداخل كل إنسان، ورأيت كيف يخفي البعض أشجاره المحترقة بعناية، ومن يبكيها في وسط الطريق. كلنا يبكي بطريقة ما، كلنا تائه في جزيرة ما، كلنا يضحك و”لكنه ضحك كالبُكا”.

حينها أيضًا تذكرت أن صديقتي تلك، وهي تحب الرسم، لم تكن ترسم سوى أيادٍ، وهذه الأيادي أغلبها مبتور!

شاهد أيضاً

رحاب السماحي

رسائل من العالم الآخر (7 ـ 9) .. رحاب السماحي

  فى صباح أحد الأيام ذهبت لورانس لاختبار مهم، وقررت أن تسلك طريقًا مختصرًا تتفادى …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية