أور .. رثاؤك مرٌ أليم أيتها المدينة

أور

تعرضت مدينة (أور) السومرية أيام ملكها (أبي ـ سين) لغزو العيلاميين.. ودافع أهالي أور عن مدينتهم دفاعًا مستميتًا يتقدمهم الملك فيما اصطف حوله كل شعب أور، من الكهنة والتجار والشعراء والفنانين، فكبدوا العيلاميين خسائر كبيرة، ما جعلهم يوغلون في حقدهم على المدينة، وكلما ازداد حقدهم تلاحم سكانها وتوحدوا واحتضنوا مليكهم (أبي ـ سين) وهو يقاتل أمامهم ببطولة وهم يدعمونه بكل ما يملكون.

هذا ما تؤكده النصوص المسمارية التي تحكي عن هذه الظاهرة، ولا تشير إلى أي صوت يعارض ذلك، وهذا ما عزز وحدة الموقف ودفع المقاومة الشرسة ضد العيلاميين إلى حد الفناء دفاعًا عن مدينتهم أور، وبقي ملكها بطلاً في مقدمة المدافعين عنها رغم علمه بمصيره ومصر المدينة.. لذا حُفر اسمه في قلوب أبناء شعبه وكتب عنه مرثية، لم يحظ أي ملك من ملوك سومر بمثلها .

هكذا دمر العيلاميون كل شيء في المدينة وحتى المدن الأخرى الموالية لها، ولم يكتفوا عند اجتياحهم المدينة بقتل الرجال والنساء، بل جمعوا الجثث في ساحة أفراح المدينة أمام المعبد حتى سالت وتبددت كما يتبدد دهن الخروف تحت أشعة الشمس.

 

مرثية أور

ناحت “أور” وشاركها النواح إلهها الباكي

“ننار”* إلهك المُحب الذي دُمرت بلاده

ينوح نواح الثكلى، وشاركته الآلهة النواح

رثاؤك مرٌ أليم أيتها المدينة

مدينة “أور” المُخرَّبة.. رثاؤها مرٌ أليم

سيظل نواحك يُحزن إلهك الباكي

إلهك الذي دُمر معبده يشارك مدينته البكاء

شاركته “ننكال”* البكاء على مدينته المضيئة

هجرت الآلهة النائحة المدينة

فأظلم النهار ولم يعد من ثمة قانون أو نظام

أطبق الأعداء على المدينة كالأعاصير العاتية

واكتسحت العاصفة كل شيء كالطوفان

دُمرت الأسواق والبيوت والمزارع

وأزيلت حظائر الحيوانات من الوجود

لم تعد ثيران وأغنام سومر تسرح في مراعيها

أصبحت مياه الأنهار راكدة آسنة

صارت الحقول الغنية تنبت أعشابًا ضارة

والسهول الواسعة أخذت تنتج مزروعات ذابلة

أصبحت الأم لا تنحني على أطفالها

ولم تعد تغني لهم أغانيها الجميلة

لم يعد الزوج يتغزل بزوجته

ولم تعد الزوجة تفرح لملاقاته

لقد تغير حال الحُكْم

جاء حُكم كريه من أرض معادية

استباح المعابد وأهان الآلهة

أقدام الجنود دَنست حرم “أي كًشنو كًال”* المقدس

لم يعد أبناء “أور” يقيمون في منازلهم

لقد أصبحوا غرباء في مدينتهم

ذبل النبت على ضفاف دجلة والفرات

ولم يعد أحد يسلك الطرقات والدروب

آل مصير المدن والقرى العامرة إلى خراب

وصار أبناؤها يُقتلون بالهراوة

لم تعد تُحرث الحقول ولا تُبذر تربتها

ولم تعد تردد أغانيها في البراري

لم تعد حظائر سومر تنتج الجبن والسمن

لقد تشتت شمل قطعان الماشية في السهوب

وحل الفناء بكل ما هو حي

صار القصب يذبل ويتعفن في مياهه

يبست أشجار البساتين وماتت

في الأرض حلت مصيبة لم يألفها البشر

على البلاد المرعوبة حطت يدٌ فتاكة

وصار الناس يتنفسون بمشقة

بعد أن ملأت عيونهم الدموع

وخنقت أنفاسهم الآهات

لقد مزقت العاصفة شملهم وأحالت نهارهم ليلاً

كان يومًا غرقت فيه الأفواه والأيادي بالدم

يوم قُلبت فيه المدينة على رؤوس أهلها الآمنين

في ذلك اليوم تصدّعت السماء وتمزقت الأرض

أعمت العاصفة البشر وجعلت السماء سوداء

حجبت ضوء الشمس وجعلت المدينة جزءًا من العالم الأسفل

من كان له بساتين وأراضٍ هجرها

وقال (آه على حقولي وبساتيني)

من كان لديه بيت حسن البناء هجره

وقال  (آه على بيتي الجميل)

لقد دهم طوفان الجنود الأرض واكتسح كل شيء

هدر كعاصفة هوجاء على الأرض فمن يستطيع الإفلات منه

جاء ليدمر المدن كلها ويدمر المنازل كلها

عُطِّلت قيم المجتمع في سومر

فأصبح الكاذب سيدًا على الصادق

وأصبحت الكلمة لم يعد يُعرف لها معنى

كلمة “أنليل”* التي تتجه نحو اليمين

صارت تتجه نحو اليسار

في أور لم يتول أحد أمر العناية بالطعام

ولم يتول أحد أمر العناية بالماء

من كان يتولى أمر العناية بالماء تنحّى عنه

ومن كان يتولى أمر العناية بالطعام تنحّى عنه

أصبح العيلاميون أصحاب الأمر والنهي

تلطخت أيديهم بالدماء

وتحكّم جنود بنو الجبال بأرواح أهل سومر

أور غدت مثل ثور بري كان كبير الثقة بنفسه

يخرّ على ركبتيه راكعًا

أور لا حول لها، مثل قصبة وحيدة أحنت رأسها

أبناؤها مثل سمكة أُمسكت باليد ففقدت حياتها

امتلأت الأزقة بجثث الموتى

الفقراء والأغنياء ملقون في الطرقات

لا أحد منهم يقوى على النهوض

تعالى أنين الجرحى وصراخهم

ولا يوجد من يغيثهم ويسعفهم

مات الكثير من الناس في حرائق بيوتهم

وجرفت مياه النهر الأطفال والرّضع

لقد هلك الأقوياء والضعفاء جوعًا

في خزائن “أينانا”* لم تبقَ حبوب

التهمت النيران جميع مخازن الحبوب

لقد أُلغيت مراسيم تقديم القرابين والنذور للآلهة

لم يبق في مخازن المعابد الكبيرة خمر وعسل

رصيف “أينانا” الواسع انحسر عنه الماء

الزوارق والمراكب كفّت عن التوجّه إلى المدينة

في النهر الذي كان يصلح للملاحة لم تعد ثمة مراكب

أور مدينة هشمتها فأس فأصبحت من عداد الخرائب

أور حتى كلابها لم تعد تجلس عند الجدران

عند أسوارها تتعالى المناحات

وفي شوارعها ينكمش الناس رعبًا أمام السلاح

في أور تنشر الفؤوس الدمار والرعب بين الناس

والرماح تُسدّد إلى صدور النساء والشيوخ

الهراوات والمقاليع تقتل الجميع في كل مكان

ورؤوس السهام تملأ أجسادهم كالمطر

قليلون هم من نجوا من السلاح

أخذوا يتشاورون فيما بينهم ويلقون الخطب

ويل لنا، ماذا بوسعنا أن نقول، ماذا بوسعنا أن نفعل

حتى متى نظل نغني في فم الدمار

مدينتنا في داخلها موت وفي خارجها موت

في داخلها نموت من المجاعة

وفي خارجها نقتل بسلاح العيلاميين

لقد اكتسح العدو أور فلنصمد بوجه الموت

هكذا أصبحوا يرددون بلسان واحد

لنصمد بوجه الموت.. لنصمد بوجه الموت.

الهوامش

1ـ الإله (ننار) أو (نانا) إله القمر، وهو الإله الحامي لمدينة (أور).. يقابله الإله (سين) في الأكدية.

2ـ الإلهة (ننكًال) زوجة الإله (ننار).

3ـ (أي كشنو كال) اسم المعبد المكرّس لعبادة الإله (ننار).

4ـ الإله (أنليل) أقوى آلهة السومريين، وهو إله الجو والهواء.

5ـ الإلهة (أينانا) إلهة الحب والحرب السومرية، تقابلها (عشتار) في الأكدية.

شاهد أيضاً

طوق الحمامة

ومنها اضطراب يبدو على المحب عند رؤية من يشبه محبوبه

  مقتطفات من كتاب «طوق الحمامة في الأُلفة والأُلاّف» علامات الحب وللحب علامات يقفوها الفطن، …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية