أورفيوس هنا والآن .. سيد أبو ليلة

سيد أبو ليلة

بعد أن ماتت زوجته في حفل زفافها، حزن الشاعر الإغريقي صاحب القيثارة «أورفيوس» حزنًا شديدًا، وقرر السفر إلى أرض الموتى، ليرجو آلهة العالم السفلي أن يتركوا زوجته لتحيا مرة أخرى، فشق طريقه إلى شاطئ نهر ستيكس، ولكنه ضل المسير إلى نهر مختلف عبر فجوة زمنية حملته إلى نهر النيل في العصر الحديث.

وجد نفسه في مكان غريب، وبين وجوه غريبة تتكلم بلغة لم يسمع بها من قبل، ولكنها قد تكون بعض الطقوس.

ورأى أورفيوس جسرًا واصلاً بين ضفتي النهر، يحرسه أربعة آلهة متشابهة، كلها أسود، ولكن الغريب ـ ورغم الزحام ـ أن أحدًا لم يعر هذه الآلهة أي اهتمام.

حاول أورفيوس أن يعرف سبب هذا الزحام، فالمشهد يوحي بأن هناك حربًا بين مجموعة من الأشباح، تلبس ملابس سوداء، تتقدمها آلهة ضخمة تتحرك مثل الثعابين وتقذف اللهب، ولكن عندما ركز أورفيوس وجد اثنين من الأشباح يجلسان داخل الإله الأسود ويقودانه، ووجد أشباحًا أخرى تمسك بمعاول يخرج منها دخان ونار، وعلى الجانب الآخر زحام شديد، ويبدو أن شعب هذه المدينة ـ شعب أعزل ـ  يواجه الأشباح والآلهة الشريرة بالطوب والصراخ.

شعر أورفيوس بالخوف، حاول أن يختبئ خلف أحد الآلهة الأسود، ففاجأه دخان كثيف جعله يسعل بشدة، وفكر في أنه لن يصل إلى زوجته وأنه تاه في غياهب الأزمان، وعندها فقد أورفيوس أمله تمامًاو قرر اللحاق بزوجته، حتى لو دفع حياته ثمنًا لذلك.

سأل نفسه: أين الطريق؟ وقال: من المؤكد أن هناك من يتألم مثلي ويبحث عن حبيبته، وأحس بأنه سيشعر بمن هم مثله من المحزونين.

أخذ أورفيوس يراقب المشهد من خلف الإله الأسد، والدخان يملأ الأجواء، وإذا بشاب يقترب منه ـ يلبس ملابس غريبة، رش على وجهه ماءً أسود، فخاف أورفيوس في البداية، ولكنه شعر بتحسن، وسمع الشاب ينطق بكلمات غريبة لم يفهمها: «هايطوقونا من ناحية عمر مكرم ومن ناحية الأوبرا قوم بسرعة».

لم يفهم أورفيوس شيئًا، ولكنه رأى دموعًا في عين الشاب، ورأى آخرين يحملون شابًا ينزف بعد أن سحقه أحد الآلهة تحت أقدامه الدائرية.. شباب يبكون مثله، فقال لنفسه: «هم محزونون مثلي.. لو مت وأنا في صفوفهم فسأصل إلى بوابة تيناريوس، وعندما سيرى آلهة العالم السفلي كل هؤلاء التعساء يبكون أحبابهم، فستتوقف عجلة إيكسون عن الدوران، وتتوقف الصقور عن نهش كبد تيتوس، وعندها لن يملك حاكم العالم السفلي إلا الاستجابة لتوسلاتنا، وسيوافق بالتأكيد على أن يمنحنا الحياة أو يجمعنا بأحبابنا».

هدأ القتال بعض الشئ، وتحرك أورفيوس مع الجموع إلى مكان فسيح، تحيطه جبال غريبة، وكان يحيط به بشر لم ير مثل عددهم من قبل، حتى في أكبر جموع بشرية رآها في حياته، فكر أورفيوس في أن الآلهة الشريرة قد أحاطتهم وستنتقم منهم، ولكنه سمع صوت موسيقى هدأت من روعه، وألفتها أذنه، ورأى شبابًا يغنون بلغة لم يفهمها، فجلس معهم، ولم يمنعوه، ولكنهم تعجبوا من ردائه ودعوه إلى أن يعزف بقيثارته.

أخذ أورفيوس يعزف للشباب وهم يصفقون، حتى رأى السماء تمتلئ بنسور غريبة، تصدر أصواتًا مرعبة، فأمسك الجميع بأيدي الجميع وأخذوا يهتفون، وفوجئ أورفيوس بمن يمسك يده يسقط والدم يتفجر من رأسه، ثم أحس بشيء اخترق جسده، فسقط، وتأكد من أنه سيموت، وسيصل إلى محبوبته.. فغنى مناجيًا آلهة الموت: «يا إله العالم السفلي، هل لي أن أصارحك من غير زيف، ما أتيت إلى هنا إلا سعيًا وراء محبوبتي.. ضللت طريقي، ولكنني اهتديت بالمحزونين أمثالي.. الحب كما ترون يا آلهة العالم السفلي إله له شهرته بين البشر، فبحق الدروب والمتاهات، وبحق كل هذا الدم الذي يحيط بي، أضرع إليكم أن تجمعوني بزوجتي، وتجمعوا هؤلاء المحزونين بأحبتهم، أو تنصروهم على الوحوش التي تطلق النيران وتسحق الشباب رغم بكائهم المرير».

شاهد أيضاً

محمد فايد

جذور الشر .. محمد فايد

  ليس في ما يخرج من يد الخالق إلا الخير، ويفسد كل شيء بين أيدي …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية