أنا ووليدي.. سهير شكري

سهير شكري

في وحدتي الموصدة الأبواب أحدق في انكساري.. لا أدرك كنه تصرف الأهل الغريب تجاهي عندما كنت صبيةً صغيرةً يذهبون إلى حفلات عرس الأقارب والأصدقاء دوني، ويغلقون عليَّ الأبواب.

لماذا لا يصحبونني معهم؟

لا أدري؛ ربما يخشون عليّ من الحسد لأني جميلة.. أنا بالفعل أجمل فتاة في الحي.

أم يخشون أن تبدو العروس بجانبي أقل جمالاً؟ ربما فأنا عندما أذهب إلى أي مكان تتجه إليّ كل الأنظار.

ماتت أمي؛ أصبحت وحيدة.. لكن وحدتي لم تطل.. عندما نظرت إلى الشرفة المقابلة رأيته؛ أجمل من أي فتى.. يشير لي.. يبتسم.. يلقي إليّ بوردته الحمراء.. يحدثني فأحس أن صوته يغريني بلقاء حميم، فمددت سجادة من الورود بين شرفتي وشرفته، أعبرها كل ليلة، أدخل في أحضانه الدافئة فيعزف بأصابعه الرشيقة على أوتار جسدي المشدود أعذب الألحان.. أقمنا حفل عرسنا.. أنفاسه تسكرني، أغرق في بحر حنانه منتشيةً سعيدة.

عندما يأتي المساء أهز جذع الشوق يسّاقط عشقًا، وأحلامًا تروي أوردتي الظمأى؛ فأبوح له بأسرار آلامي، فيصنع لي عالمًا ورديًا فأرى العالم كله مبتهجا.

اليوم استيقظت كعادتي ملهوفة إلى الشرفة كي أراه، وأبثه عشقي وولهي، فكانت صدمتي التي حطمت كل آمالي، وقضت على  أحلامي.

لم أر الشرفة، بل لم أجد البناية كلها، ليس أمامى إلا البحر صامتًا حزينًا، صوته أنين، كمن يلفظ أنفاسه الأخيرة.. لا أرى إلا دموعه أمواجًا، يتراقص صهيل اشتياقي للقائه فيشتد صراخي وأنادي عليه بكل قوتي.. وما من مجيب.

ألقي جسدي على مقعدي المتألم في شرفتي.. أحس بحركة داخل أحشائي كمن يطرق طرقًا خفيفًا، أتحسس بطني بكفي أجدها أصبحت أكثر استدارةً وعلوًا.. آه.. لا بد أنه جنيني.. إذن هو لم يرحل إلا بعد أن أن ألقى بذوره داخل رحمي، وسجل اسمه في نخاعي.

قمت منتشيةً فرحةً، أصبحت زوجة وأمًا.. لا بد أن يحترمني الجميع.. أشعر بالقوة؛ فلن يستطيع أن يتجاهلني أو يتخطاني أحد بعد الآن.. رحت أغرد كالعصغور.. لا بد أن أخرج من أحزاني، وأستعد للقياه.

أتحسسه.. لمساته تسعدني وكأنني أصافحه.. بدأ يكبر، يتمدد داخل أحشائي.. ازدادت ضرباته قوة، أحسست بوخز عظامه في بطني.. جنبي.. فأربت عليه برفق كي يهدأ.. أحدثه بالهمس وباللمس.. لا بد أن أعوضه غياب الأب.

نزلت اشتريت له كل لوازمه: سريرًا صغيرًا.. “فوط” ملونة.. ملابس قطنية بيضاء. أحسست بالمياه تتدفق مني، هرولت راجعة لبيتي.. ضرباته أصبحت سريعة متلاحقة في ظهري.. اشتدت الآلام.. لا أستطيع احتمالها.. آه.. إنها اللحظة الحاسمة في خروج الرأس.

آلامي كلها انتهت بمجرد سماع صرخته التي تعلن على الملأ تشريفه للحياة. استقبلته بفرح ألق لا تعكره غمامة حزني على أبيه.. حممته بالماء الدافىء من الدماء العالقة بجلده الرقيق.. ضممته إلى صدري وأرضعته حتى نام كالملاك.. ورحت بجواره في نوم عميق؛ لأستريح من عناء المخاض.

سأقيم له احتفالاً كبيرًا في السبوع، وأدعو جاراتي لمشاركتي وأطفالهن للاحتفال معي.

اشتريت علب الملبس، أحصنة للأولاد وعرائس للبنات. طرقت باب جارتي وإذ بها خائفة مذعورة تصرخ وتصفع الباب في وجهي بعصبية شديدة.. يا ربي ما كل هذا الحقد! ما ذنبي أنا إذ كانت هي عاقرًا؟ تركتها في حقدها تأكل بعضها بعضا.

طرقت باب جارتي الثانية لأُدخل عليها هي وأطفالها البهجة والسرور، فهي دائمًا مكتئبة صارخة ساخطة.. عندما رأتني ابتسمت.. دعوتها هي وأطفالها الخمة لمشاركتي الفرحة وإذ بها تدخل في نوبة ضحك هستيري قائلة:

ــ يا بختك.. والنبي إنتي محظوظة يا ريتني كنت زيك.

حتى أنتِ تحسدينني، أمرك غريب! ما ذنبي أنا في إنجابها خمسة أطفال أشقياء جعلوها على حافة الجنون؟

على أية حال حضرت المسكينة هي وأطفالها.. شاركوني الفرحة.. الأطفال غنوا معي ووضعنا المولود في الغربال، ودققنا الهون، ودرنا حوله بالشموع نغني “برجالاتك برجالاتك”، وأمهم جالسة تنظر إلينا في ذهول فاتحة فمها. عمومًا يكفي أني تمكنت من إقناعها بالحضور، ونجحت في إدخال السرور عليها وعلى أطفالها بعد عبوسها الدائم، وصراخها المتواصل.

وزعت عليهم علب الملبس والشيكولاتة، وسط تهليلهم وفرحهم..

دخلت المطبخ أعد لهم أكواب المغات وأطباق الحلوى. خرجت من المطبخ أحمل الصينية وأنا في قمة فرحي.. سمعت الأطفال يتصايحون ويلعبون بالكرة.. قذفوني بها فأوقعت كل الأكواب وانسكب ما فيها.. عندما أمسكتها وجدتها رأس وليدي.

شاهد أيضاً

أمجد ريان

ليس الثبات سوى نوع من الحركة .. أمجد ريان

  سهرت المرأة الفقيرة على ملابس ابنها تُرفيها، ثم تقوم بكيّها وفي الليلة التالية تضرب …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية