ألا يوجد بالشيطان شيء صالحٌ؟ .. ملاك رزق

ملاك رزق

أنا الإنسان المُعاقب، المطرود من البيت الكبير، أجر أذيال الخيبة ورائي، وزوجتي معي تحدق بالأرض السمراء.

على جسدي قطعة قماش تقيدني، لا أحتملها.. أخرج للمجهول، الشمس حمراء، تشوي سحب السماء، تحيلها للون رمادي، الريح ملتهبة تضربنا بقوة، تشكل دوائر تحاصرنا، والأتربة في هياج من حولنا، العالم المنفي إليه واسع جدًا، الصحراء بيضاء، وروائح تنهش أنفي، تجففني غبارًا لا أطيقه، أقدامي تنغرس في الرمال، أجذبها بشدة لتخطو الخطوة الأخرى من الطريق وتعاني.

هل تخلي عني أبي وتركني!

ظهر أمامي ابن الذوات، الابن البكر لأسرتنا.. جاءني بوجهه الأملس، صانع الثورة الأولي.

يهمس لي: لم يعد لنا إلا بعضنا البعض أخي الصغير.

ألوح له بيدي في الهواء ممتعضًا من جملته، أريد أن أعنفه، ولكن طعم المرارة يحيق حلقي، لا أستطيع التكلم.

يكمل: ليس ذنبك أنك طلبت المعرفة، أو الحرية، أو أن تصبح…

أسحب زوجتي التي لم تزل مشدوهة، عيناها الواسعتان وأنفها المستقيم، بشرتها التي لا تخلو من شعر. عيناها قد ذبلتا منذ وقوع الحادثة. شعرها تفرده علي كتفيها العاريتين، عندما أنظر لها، عيناي تذهب لأجزاء جسدها المختلفة عني، أطيل النظر، وكأني أراها لأول مرة.

لم أعد أنا كما كنت في الماضي.. ولم تعد هي الأخري كذلك.. هناك شيء تغير، لن تعود الأمور كما كانت أبدًا، وإلي الأبد!

أطل مرة أخرى وجاءني، أنا تسليته في وحدته.. سألته مباشرة وأنا أحاول رؤية الطريق الشاسع بجباله وهضابه، وعلي مقربة منه نهر واسع أحاول الوصول إليه للسكنى والاستقرار!

فرد: أحاول إلهامك!

ضاقت عيناه الواسعتان، وفرد ذراعيه، يحاول أن يظلل على جسدينا المتعبين، وعرق يتساقط علي أنفي ويأخذ طريقه لشفتيَّ بطعمه اللاذع، يكمل:

نحن متساويان بعد أن غضب علينا أبونا.. نحن متساويان!

أجبته مستنكرًا، ويد زوجتي تتعرق في يدي، تنفلت مني.

تهبط الشمس وتعانق صفحة المياه وتغرق داخلها أقدامي، وتتحرك أخيرًا على أرض سوداء لينة بعض الشيء.

تلكزني امرأتي بكلتي يديها، ثم تشير إلى مكان بأعلى الهضبة المنحنية بنتوءات متعرجة، وأشعة القرص الليلي تضيف مناطق ضوء وظلام متفرقة عليها.. مجموعة ظباء، تجري مسرعة، وكأن هناك أحدًا يطاردها.

هل أخرجهم أبي لأنهم يذكرونه بي!

قطع تفكيري بنهنةٍ مبالغ فيها، أظهرت امتعاضي وقررت الإسراع في خطواتي، التي بدأت تتحرك ببطء، معلنة تعبًا لم أعتده من قبل.

قال لي: سؤال أخير.. ألا يوجد بالشيطان شئ صالحٌ؟

ابتسمت قليلاً بما لا يتماشي مع موقفي وهيئتي الحالية.. ابتسم هو الآخر وفرد ذراعيه بالعرض، وأمال رأسه ناحية الشمال مع اتجاه الرياح، رفع كتفيه قليلاً، وانتظر متشوقًا الإجابة.

أجبت: التمرد علي الواقع فضيلتك، ولعنتك الكبرى أيضًا.

ضحك صانع الثورة الأولى.. ثم تركني وذهب!

شاهد أيضاً

وديع أزمانو

هذا قلبي .. وديع أزمانو

  لا أبكي ولكنها دماءٌ صعدت إلى عينيّ فابيضَّتِ الرؤيا وتساقطَ مطرٌ كثيفٌ من كتفِ …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية