ألاعيب دينا عبد السلام في «إعادة تدوير» .. فاطمة عبد الله

فاطمة عبد الله

 

عبر منطقة تماس بين دائرتين، تأتي مجموعة «إعادة تدوير» للكاتبة الدكتورة دينا عبد السلام.. لتقدم نفسها بطرق تعتمد ألاعيب لغوية كوسائل للمرور للقارئ.. وأولى هذه اللغات اللغة البصرية، بدءًا من الغلاف ومرورًا بلوحات داخلية، وانتهاء بعين بصيرة حالمة، تقبع أسفل يمين الغلاف الأخير، ولغة أدبية تصيغ عبرها دينا عبد السلام ما أشارت إليه في مقدمتها، التي تحمل شيئًا طريفًا: إذ ليس من المعتاد أن يذكر قاص أو راوٍ منهجيته التي يتبعها في صنع وتقديم العمل للمتلقي، لكن الكاتبة فعلتها وقدمت ذلك للقارئ، حين ذكرت له مصادر الجمع التي اعتمدت عليها، وهي حكايات الجدات والأمهات، باعتبارهن أوعية الثقافة الحافظة كما يقول د. سيد عويس، ثم ذكرت أنها أصلحت التالف منها، وصنّفت الحكايات؛ لتعيد تقديمها اليوم كإعادة تدوير، لا لمجرد أفكار أو حواديت أو سلوكيات تحاول إرجاعها لأصولها، ولكن تعيد تقديم حيوات تنمو وتموج في منطقة وسطى بين دائرتين.

 

الكاتبة تعي أنها تسير على شوك وحرير، إذ أنها تكتب من منطقة الذكرى، التي قد تتجاذب أطرافها، أو تتجادل وربما تتضافر مع ما يشبهها لدى المتلقي، فإن لم تكن قادرة على التقاط التشابه وتقديمه للمتلقي بشكل مغاير، فلن تفلت من جُب التناص أو ضفّة النفور، لذلك أشارت الكاتبة لمنهجيتها في المقدمة، وأكدت أنها تقدم ما تقدمه بألاعيب لغوية، لتنبه القارئ، شريك التلقّي، أن قصص المجموعة تأتي في الطريق المعاكس، الذي لا يعيبها فيه أن البعض لم يتبعه أو يقتدي به.. وكأنها تقول: إن كان ما أكتب عنه قد يبدو لك أنك تعرفه؛ فليس هذا صحيحًا طول الوقت؛ فوجودك في المكان المناسب لا يعني دائمًا أنك الشخص المناسب؛ فربما احتطبت لك الريح.. وهذا ما تؤكد عليه عبر قصصها فـ«صور الأبيض والأسود لا تُظهر الفروقَ جليةً» بين ما في ذاكرتي ككاتبة، وما في ذاكرتك كقارئ، كما أن الخطوط قد تتداخل، أو تتماهى في لحظة لتجعل الجد بهلولاً، وتجعل من السُنيّ متصوفًا (ق. البهلول ص25).

 

الألاعيب اللغوية:

تأتي لغة القصص مناسبة للمحكيّ عنه، سواء كموضوع أو كشخص، فالتساؤلات في «الموت سيرًا ص34» مصاغة بشكل يجعلك تقتنع بأنها بالفعل صادرةٌ عن طفلة.. بينما التلميحات في «عزاء ص22» لا تندُّ إلا من نسوة، على حين كان التوقيت يمين الصفحة هو لغة دالة على أن البطل «قادر على التحكم في الحياة»، لكن «حين لم يعد الألم يُحتمل» اختفى التوقيت، وكأن لغة التوقيت التي توسلتها الكاتبة، كمعْبَر للمعنى، كانت تناقش بها إشارة التوقيت للإنسان المحدود، بما يتصور قدرته فيه، وبالألم المطلق بقدرته التي قد لا تُحتمل، والأطباء الذين إجابتهم ليست بالدقة الكافية ليعطوا ذاك المريضَ موعدًا أدقَ  للموت.

 

تغيّر الكاتبة من آن لآخر مفردات اللغة التي تقدم بها عملها، ربما لدفع الملل، أو تحايلاً منها على مقاربة القارئ من امتلاك لحظة الزهو بأنه هو الآخر يعرف، أو لتمتع القارئ بما تقدمه له من جديد حيلها وألاعيبها؛ ففي «حلاوة روح ص37» لا يصبح هذا التداخل مألوفًا بين الضباط.. الصولات.. الزوار.. والمحشي، إلا حين: نقرأ عبارة «حدثه المحامي عن الإجراءات التي قام بها لنقض الحكم، والمسار الذي ستأخذه الأوراق، ابتسم أنس.. نظر إلى بقايا ورق العنب الذي تركته إحدى الزائرات في المكان، حل الصمت بينهما». وهي لعبة لغوية جيدة توحي برأي أنس فيما يعرضه المحامي.. فكأنه يقول له: كله محشي.. وأنا مأكولٌ مأكولٌ كورق العنب!

 

توظّف الكاتبة أيضًا الفعل «تحدق» بمهارة، كلغة تضبط بها إيقاع المشهد؛ فليست الفتاة حاملة الورد هي من يحدق بها المارة، كما سيعتقد المتلقي، كذلك توظف الكاتبة الحال في وصفها للباقة «جاءت مطرقةً» لتعبر عن رأي الفتاة من ناحية، وعن رأي باقة الورد أيضًا في المحدقين بأنها: مجرد باقة ورد!

 

«بصل» نموذج راقٍ فنيًا للقصة القصيرة جدًا، مارست فيها الكاتبة لعبة لغوية محكمة الأسر؛ بذكر تخريط أمها للبصل نهارًا، ثم بالكناية عن البكاء بنفيه أولاً: «أمي لا تبكي أبدا»، بينما الحقيقة المدهشة لها: «وجدتْ أمها ليلاً تخرط البصل من دون طعام»!

 

وبنفس الوجع الآسر تأتي المفارقة كلغة محملة بكل رسالة الكاتبة في قصة «هياكل ص 49» فحين «أخبرتها جارتها خادمة الأغنياء بأنها تشتري الهياكل أيضًا، لأنهم يقدمونها لما يملكون من قطط وكلاب» كان الوجع كامنًا في عبارة «وجب التدبر ولزوم نسيان النعيم الذي كانا فيه يرفلان» وكان لجملة «الهيكل يتصدر المشهد» السهم النافذ بسؤال: عن أية هياكل تتحدث الكاتبة: عن الأم والابن ومن على هيكلهم؟ أم عن هياكل الفراخ؟!

 

وإن كنت أرى أن المقطع الأخير «مرض ابنها…» أتلف حبكة المشهد الذي «عفقته» الكاتبة بمهارة، وبدا هذا الجزء الأخير لزوم ما لا يلزم.

 

إعادة تدوير

 

تتميز الكاتبة أيضًا بمهارات فنية متعددة منها الإخراج السينمائى، وقد كُرمت من أيام في فرنسا في هذا الصدد، لذلك تُطعّم عملها الذي بين أيدينا بفنون هي من مفردات لغة السينما، كالمشهدية فيما عرضنا لبعضه، بالإضافة للمونتاج المتوازي في «قلة حيلة ص 51»؛ فجعلت من قضبان الباب وصوت لفة المفتاح في القفل رمزين بالغي الأثر لسجن أطفالها بالفقر، في مقابل ما يرفل فيه رضيع وحيد.

 

والكاتبة هاهنا لا يعنيها تقديم تلك الصورة المباشرة عبر المونتاج المتوازي، قدر ما يعنيها إعادة تدوير الفكر، والنظر لمثل تلك الحالات الإنسانية.

 

بينما في «بائع البالونات ص 55» جاءت القصة عبر لغة حركية تحمل روح البالونات وصاحبها، وتطايرها، بل ربما ألوانها، وكان مشهد البالونات بنافذة الإسعاف من أجمل ما قرأت من حيل لغة الكاتبة؛ حيث جعلتني أكاد أعتقد بأنه مونتاجٌ متوازٍ لانطلاق روح البائع المريض، لكن دينا عبد السلام أفرغت بالون زهو القارئ بالمعرفة، وسحبته كمن يفرغ بالونًا من هوائه؛ لتجذبه، بلُغتها، كنَفَسٍ تضخّه بالونة أخرى تحتاجها شرايين البائع! وإن كنت أيضًا أرى أن القصة في غنى عن سطرها الأخير.

 

تمارس الكاتبة أيضًا فنون تحايلها اللغوي، باستخدام المفارقة بكل أنواعها؛ ففي «هياكل» تلعب على المفارقة الاجتماعية، بينما في «صغيرها» تعتمد على المفارقة الفنية؛ لنكتشف مع المقطع الأخير أنها ما كانت تتحدث عن وليد يخطو خطواته الأولى على المشاية، ويحتاج لتغيير حفاضته، بل نعرف أنها تتحدث عن أبيها، فقط عند ذكر الكرسي ذي العجلات الأربع، وجملة «ستضطر لأن تترك أباها وحده هذا اليوم».

 

كذلك توظف مفارقة العنوان: ففي «كومبارس» كعادة دينا عبد السلام في المجموعة، يأتي دور العنوان في نهاية المشهد ليتساءل القارئ: ما الحدث الكومبارس بالنسبة لهذين المتمتعيْن بورق العنب والفراخ؟! بالتأكيد هما غير آبهيْن بشَدَّةِ المساعد، ولا برفّة عين المُخرج، ولا بتفكير المنتج، أو مراجعة الممثلين لأدوارهم، فكل ما يعنيهما كحدث رئيس هو إجابة السؤال «إدّولك إيه؟» وما عداه فهو كومبارس!

 

لكنها في «مونتاج زمني» جمعت بين مفارقات عدة تتخذها وسيلة أو لغة توصيل لقصتها؛ فاعتمدت على المفارقة التخصصية: فالبطلة في قسم تصوير زيتي، والبطل في قسم تصميم مطبوع، والمفارقة الوجدانية: فهي تعشق التفاصيل والإحساس الداخلي والتناغم، بينما هو يهتم بالخطوط الخارجية للأشكال، كذلك اعتمدت على المفارقة بين القِلّة والكثرة: هي بلوحتها الوحيدة التي تشارك بها في المعرض، وهو بخطوط الإنتاج التي تعني الملايين، بالإضافة إلى المفارقة الأيدلوجية بينهما: فهو يدّعي الاشتراكية، بينما هي من وجهة نظره مدانةٌ بالإقطاعية والنُخبوية، لتكون كل تلك المفارقات تمهيدًا طبيعيًا لاتساع الهوّة بينهما منذ البداية وحتى بعد مرور عشرين سنة على التخرُّج، وكأن هذا البطل يعيد تدوير فكرة الاشتراكية؛ ليختزلها وتصبح مجرد اشتراك عمال كثيرين ـ يمثلون العامة والدهماء الذين سبق واتهمها بعدم اعتبارها لهم في رسمها للوحة واحدة ـ  وكـأن الاشتراكية أصبحت لديه اشتراك عمال كثيرين لتحقيق حلمه هو الفرد!

 

كذلك تنوّع الكاتبة من مفردات اللغات التي تستخدمها في ممارسة ألاعيبها الجميلة على القارئ فتأتي «أزياء» ليست كمجرد تعبير عن التستُّر وتعمية عين الحاسدين بملابس وألوان للبنات دون الذكور، وإنما كأفكار بالية تتبادلها الأسر، مثلما تتبادل الملابس، التي تعارف على شكلها ولونها لجعلها مخصصة للبنات دون الذكور.

 

نأتي الآن للغة بصرية كمنت واتضحت في آنٍ عبر لوحات تشكيلية، بدأت بالغلاف الأول، ومرت بين التصنيفات، لتنتهي بالغلاف الأخير، فغلاف المجموعة يحمل لوحة دالة لرأس فتاة ملأى بشفاه تحيطها أسهم التدوير، وعيون مختلفة النظرات، وأنف واحدة، وكذلك قرط يتدلى من أذن واحدة، كـأنه علامة تعجب أو «شدة  ودن للتنبيه»، على خلفية من ورود طفلية، لتنتهي بعين حالمة قابعة بأسفل يمين الغلاف الأخير، وهي لوحة في مجملها اعتمدت على تضخيم الرأس، كمركز تجمع لكل ما ورد من هذه الشفاه، وما رأته العيون، وظلت الأذن الوحيدة مشدودة كعلامة تنبيه.

 

على حين أتت لوحة التصنيف الأول شبيهة بجراب نظرته حزينة، والوجه متجهم ليناسب «مرتحلون»، بينما الأذن كبيرة لأنها تتسمّع أخبار من بعدوا، أو من صاروا بالعالم الآخر، وتتفرع الذكرى خضراء كرمز لطفولة ما، بينما لوحة «يا ما في الجراب يا حاوي» أصبح لها أذنان تتسمعان مع عين كبيرة، وفم يبتسم، وتخرج الذكريات كفقاعات، كأنه تنفيس عما يضمه الجراب، الذي يتخذ شكلاً أقرب للقلب، أو لوعاء الرأس المفتوح، بينما مع التصنيف الثالث «كواليس» تصبح اللوحة مثيرة للتساؤل وفق تعدد الرؤى: فهل هي رأس مهرج ملأى بالحكايا؟ أم حصان شطرنج عينه مفتوحة على الملك؟ أم أنها حصانُ بحر رمزُ التحصين وجلب الرزق؟ أم هي تحمل قناع المسرح بوجهيه الضاحك والحزين؟

 

 لكنها لوحة ممكن أن تشبه في النهاية الكلاكيت الذي تنداح بعده صورٌ سينمائية، أو بكرة الذكريات بدون مافيولا المونتاج.

 

في التصنيف الرابع تتسع بسمة الفم، وتسقط العين أسفله في وَجْد تذكُّر من كانت تجالسهم، ويصبح رمز الستارة الشفيفة، التي لا تبين ولا تخفي ورود الذكرى خلفها، وكوبين الشاي، مُحدِّديْن فنييْن ينحسر بينهما عنوان التصنيف «شبابيك». 

        

في «حروب أهلية» تصبح للوجه عينٌ دخيلة، وتتعدد الأنوف كرمز لبيان أسباب الحروب، ويتحرشف، تبعًا لذلك، الجذع لتخرج الذكرى غيومًا من الرأس.. بينما في “عالم الجريمة” يتخذ الوجه صورة ما بين الإنسان الحيوان وتعلو الأذنان وتبصر عين وتغيض الثانية.

 

تأتي هذه التحولات للوجه، عبر التصنيفات، محصورةً بين لوحة تسبق القصص، وأخرى تختتم بها الكاتبة نصَّها البصري، لتصبح الرأس متضخمة شبه شفافة، بعينين تحملان دهشة واستعدادًا للرؤية، وفم يتخذ شكل صامولة تنتظر مفتاحًا مناسبًا، يحرك ما امتلأت به الرأس؛ لتعيد تدويره عبر حكي جديد.. وكأن هذه اللوحات التشكيلية جميعها تأتي كموسيقى تصويرية لقصص كل تصنيف، أو تأتي كلوحات تختزل روح النص لتعبر عنه بصريًا.. حتى لنتساءل أيهما كتب الآخر: دينا عبد السلام كتبت لوحات أشرف مهدي بالحروف؟ أم هو من كتب بالريشة؟

 

هكذا أمتعتنا الكاتبة بالمنهج الذي اتبعته في قصصها، والتزامت به، كعهد مع القارئ، من بداية المجموعة حتى ختامها.. فمارست بفنية عالية ألاعيبها اللغوية، وأحسنت توظيفها؛ لتترك للقارئ أن يقوم بدوره في إعادة تدوير ما قدمته له، أو ما قد يجده في رحلة بحثه داخل ذاته، لتتواصل الحركة ويظل لمناطق التداخل بين الدوائر معنىً جميلٌ.

* مصر.

شاهد أيضاً

أمل نصر

روعة أن تكون مجنونا لبعض الوقت .. أمل نصر(1-2)

  امتلك جيرار جاروست شجاعة سرد سيرته الذاتية في أحاديثه ، تلك السيرة الغريبة التي …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية