أكوا وأخواتها .. حسن أحمد محمود

شريف عابدين

                                                د. شريف عابدين

اسمحوا لي أن أتحدث عن تجربتي المتواضعة في مجال العمل الثقافي، فقد حالت طبيعة دراستي الطبية عن التواصل مع النشاط الثقافي السكندري أكثر من ثلاثين عامًا، بعد أن كنا في فترة شبابنا ودراستنا الجامعية في طليعة هذا النشاط، الذي تبناه جيل السبعينات بكل شرف وإخلاص.

فقد كنا في مقدمة الشباب المهتمين بمشاكل المجتمع، وأصحاب رسالة تنويرية، وحاملين للواء نشر الثقافة بين فئات المجتمع داخل وخارج الأسوار الجامعية.

وقد آثرتُ العودة منذ ثلاث سنوات إلى ساحة النشاط الثقافي، ووجدت نفسي أمام مجموعة من المشاهد، بعضها مفرح، والبعض الآخر محزن كئيب: 

أولًا:

أن هناك نشاطًا شبابيًا ثقافيًا.. محمومًا ومحترمًا ومحمودًا.. يتم في العديد من المراكز الثقافية الخاصة التي انتشرت في أرجاء المدينة(الخاصة وليست المملوكة للدولة).

 

ثانيًا: 
هناك دور تنويري هام تقوم به مكتبة الإسكندرية، وأراه قادرًا على قيادة الحركة الثقافية، من خلال الندوات والفعاليات الثقافية المختلفة، لكنه يحتاج منا إلى المزيد والمزيد من الدعم والجهد والمؤازرة.

 

ثالثًا:
هناك ما يشبه (الاستعمار) لقصور الثقافة، وهي التي احتضنت أجيالاً كاملة من المبدعين والأدباء والفنانين، خلال فترة طفولتنا في الستينيات، استعمار من قِبل بعض المبدعين وأنصافهم، الذين وجدوا أنفسهم في صدارة المشهد الثقافي، فجمّدوا الإبداع في قالب واحد يتيم، أودعوه ثلاجة الموتى، بل وشنوا حربًا شعواء على غيرهم من المبدعين.

 

رابعًا:

غياب ملحوظ لدور الجامعة خارج أسوارها، وعدم التفاعل البناء مع المجتمع غير الجامعي، بل انشغلت بما يدور داخلها في أغلب الأحيان، عدا بعض الشخصيات المرموقة التي آلت على نفسها ألا تتخلى عن هذا الدور المجتمعي، وأخص بالذكر الأستاذة الدكتورة سحر شريف، والدكتورة ندى يسري، والأستاذ الدكتور محمد عبد الحميد خليفة، والأستاذ الدكتور أحمد فرح.

ومن هنا طرحت أنا وصديقي دكتور شريف عابدين فكرة ( منتدى المحكيات للآداب والفنون)؛ فقدمنا لونًا جديدًا من الندوات، مزجنا فيه ما بين الفنون والآداب، غيّرنا في شكل اللقاءات الثقافية، تناولنا موضوعات غير تقليدية، اعتمدنا أسلوب التعليم التفاعلي الذي يعتمد على المحاكاة.
قدمنا ندوات تتناول الفنون السبعة، منها، على سبيل المثال لا الحصر، ما هو عن فن المونودراما حوارًا وتمثيلاً، وندوات نقدية في صورة محاكمات حية، بها ممثل ادعاء، وقاضٍ ومستشارين على المنصة، وهيئة دفاع، حاكمنا فيها أعمالاً لمبدعين مميزين منهم عميد الأدب العربي طه حسين عن روايته( دعاء الكروان) في واحدة من أجمل الندوات الثقافية النقدية، كما عقدنا جلسة محاكمة للشاعر الكبير نزار قباني حول(شعر نزار ما بين الإبداع والإباحية(، كما قدمنا ندوات عن الأجناس الأدبية المختلَفِ عليها؛ فقدمنا ندوات عن علاقة النصوص الأدبية بالفن التشكيلي، وندوات عن تطور الأغنية العربية من حيث النصوص والألحان، وندوات عن السرقات الأدبية والفنية، كذلك قدمنا ندوات عن علاقة الطب النفسي بالموسيقى والشعر، وندوات عن الفنون القولية في الأدب الشعبي كالموال… وهكذا لم يقتصر النشاط على نوع واحد من الفنون بل كان نشاطًا يشمل جوانب الإبداع والتكامل بينها.

ولم يقف التجديد عند هذا الحد، بل تقدم دكتور شريف وأبدع بمبادرة عبقرية وجديدة ومبهرة أطلق عليها(مبادرة إسكندرية لتنشيط الكتابة الإبداعية) (أكوا) Alexandria Creative Writing Activatio)، وحدد لها أهدافها فيما يلي:
1ـ  دعم تقنيات الكتابة الإبداعية من خلال التعرُّف على عناصر الرواية والقصة، مثل الزمان والمكان والشخصيات والحبكة السردية واللغة إلى غير ذلك من العناصر. معتمدًا في ذلك على النصوص الأدبية التي كُتبت عن الإسكندرية خصيصًا أو التي تناولت الأسكندرية مسرحًا للأحداث.
2ـ توظيف هذه التقنيات لبعث روح الإسكندرية في النصوص الأدبية، وذلك من خلال الورش والندوات التفاعلية والمسابقات.

 وقد شرُفت المبادرة بحشد من المبدعين بالإضافة إلى الأساتذة الجامعيين، الذين ساهموا بكل جهد وعرق من أجل إنجاح هذه المبادرة.

 3ـ قامت المبادرة بتكريم أكثر من عشرين رائدًا من رواد الحركة الأدبية السكندرية، وهو دور لم تقم به الدولة للأسف.

وفي هذا السياق أبدعت لنا الأستاذة الدكتور سحر شريف صالونًا ثقافيًا رائعًا، يعد صرحا ثقافيًا وُلد شامخًا في بقعة مضيئة من أرض الإسكندرية، ألا وهي كلية الآداب، التي كانت وستبقى شعلة مضيئة تنير لنا الطريق، وتمهد للمبدعين سبيل التقدم والرقي.

لكن لا تأتي الرياح بما تشتهي السفن، كما يقولون؛ فقد هبت رياح سموم من قلوب حاسدين وحاقدين، طالت بسهام ضغينتها كل ما هو جديد، وخرجت خفافيش الظلام لتنعق ليل نهار جهد هذه التجارب الوليدة التي تسع بروح هاوٍ وبحنكة محترف لتضويئ المشهد الثقافي السكندري بما يليق به، والتي تحمل بين جنباتها عوامل النجاح، كما تحمل بالتأكيد بعض عوامل الإخفاقات، لكنهم لم يتوقفوا ولو للحظة واحدة كي يراجعوا أنفسهم، ويعيدوا تقييم ما تقدمه (أكوا وأخواتها) من منتج ثقافي وحراك فاعل في ماء كاد يركد بالأسكندرية أرض الثقافة والتنوير، وما يقدمونه هم شخصيًّا من منتج عبر مواقع رسمية يحتلونها من سنوات، ومدى جودة هذا المنتج أو أثر مساهمته في  الحراك الثقافي السكندري على الأقل.

* مصر.

شاهد أيضاً

سفيان رجب

سدنة الأبواب الزرق والشمس .. سفيان رجب

  بكثير من السّخرية، يصف تشارلز ديكنز نهاية الحداثة، يقول: إنّ الحداثة انتهت في 15 …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية