أصداء آخر المساء .. نبيل جميل

كاظم مزهر

قراءة في مجموعة (بستان الليل) للشاعر كاظم مزهر

إن أكثر مَن تغنّى بالليل هم الشعراء، وتاريخ الشعر العربي حافل بالأسماء. السؤال: هل كان الليل بحاجة إلى من يتغنّى به؟ أم أن الشعراء كانوا بحاجة لذلك؟

بدأ محاكاة وتفنن بكتابة قصائد وكل حسب حالته التي يشعر بها، والموضوع الذي يناسبهُ، منهم العاشق الولهان لرؤية حبيبته، أو المتوسل بدعاء إلى الخالق كي يعطيه صبرًا على فقدان عزيز على نفسه، ديمومة مطلقة لمن أنسن الليل خاصة وعدّهُ صديقًا يناجيه في عزلته ووحدته، شاعرًا به كصدر رحب احتضن غفوته وحضن دافئ لمَّ شتات نفسه، من تيه لم يستعد له، راغبًا بمضاعفة ساعات ليله، حتى يكمّل أنينه الذي يساعد في التخفيف من معاناته.

الشاعر الهاجس، الحساس، الراغب في البوح، اللاضم لسلسلة أفكاره بما خفي من لوعة نابعة من الأعماق، نراه يجتر الذكريات متوحدًا مع ليله منعزلاً عن عالم الآخرين، يطمئن نفسه بأن هذا الليل هو ليله وحده وليس ليلهم، فتنمو علاقة حميمة يشعر بها وينعم دون غيره، فالسكينة والهدوء يمنحانه راحة بال وصفو ذهن لم يجدهما في نهار العمل والضجيج، ولقاءات غير مجدية مع رفاق لم يشعروا بوجوده حتى، مثلما شعر به الليل وضمّه مثل أم حنون أو رفيق درب طويل موحش، التقى به صدفة على حين غفلة من الزمن، فجاء هذا الليل ليجفف الدموع ويمنح الأمل في مواصلة الحياة:

يا ليلُ

لن يكفيك معنى واحد

لأدّعي فيك بلوغ المعرفة

وجوهٌ لا أحصيها

تليق بسلطانك:

إغماءةٌ

في عيون أناس

لا يحسّون وقعَ أقدامك في العبور

يَدسّونكَ في الوسادة حتى تبعثهم الدِيكَة،

كادحون يسافرون عنكَ بقارب التعب

أولئك العابرون ضفتيكَ بلا ضجيج

أحلامهم سقسقةُ النهار

نصفُ حياتهم موتٌ بلا قبر 

 

صور شعرية مشعّة

إلى أي مدى يعتبر الشاعر الليل يثير فيه الاندهاش ويراه محسوسًا لديه؟ من البديهي أن نظرية التلقي لدى الشاعر تختلف عن أيّ إنسان آخر، تجاه هذا المنجز الطبيعي، ذي الملمح الدلالي على عظمة الخالق في اختلاف الليل والنهار، وارتباط هذا الاختلاف بطبيعة العمل البشري، كون الليل يمثل مكانًا بغض النظر عن مكان المعيشة الأصلي، لكنه زمانًاً واحدًا، فهو نفسه في كل بقاع الأرض، في غابات إفريقيا، في مخابئ الجنود وخنادقهم المتربة والمملوءة بالعقارب والديدان، في جزر الكناري وصحراء التبت، في وحشة المقابر وغربة الروح.. الليل هو الليل، حتى لو أُنيرت الطرق والمنازل والحدائق العامة، وشعّ النجوم والقمر في السماء، لكن يبقى الإحساس هو ما يميز مكنونات الإنسان تجاه ليله الأوحد، وخاصة الشاعر هذا الكائن الراصد والموثّق فنيًا، كمتلقٍ واعٍ لظلمة الليل، الواصف لتجلياته، يعكس ما يراه في مرآة ذهنه، من خلال صوره الشعرية المشعة وحسب عملية الاقتران الموضوعي الذي يجده مناسبًا، فيرى القارئ حياة أخرى كان في غفلة عنها، ولولا خلق الشاعر لها بلغته التخييلية لما تفاعل معها أكثر وأكثر، وراح يطرح الأسئلة: ترى لماذا لا أرى مثلما يرى الشاعر كل هذا السِّحر؟ فتنبثق استنتاجات تتحول إلى متعة، تذيب القارئ تدريجيًا، فينهي قراءة ما بين يديه دون أن يشعر بمرور الزمن، مستروحًا النزهة العطرة التي صاحبهُ فيها الشاعر في وحشة الليل، باعتبار المنجز الشعري هو من أضاء لهما الطريق، وشكّل عندهما اقترانًا كي يلجأ إلى دواخل النفس، دون ان تحيدهما معيارية العمر، تجاه الزمن وتقلباته، فيتجاوزان أسيجة الإحباط، وفق ترابط إنساني ومشاركة متبادلة، هما البطلان فيها، ويتم التبادل والتداخل المعنوي، الفعل وردّة الفعل، فتكون الأنا أنت والأنت أنا، والليل هو السّحر الذي يجذبنا:

نهاراتنا متشابهة

نهاراتنا بشمسٍ واحدة

لكنّ ليالينا

راقصة في ملهى ليلي

كثيرة الفساتين

في كلّ مساء

تأتيك بلون لا تعرفه 

 

تراكيب شعرية موحدة

يا لهذا السّحر الذي غلّف كياني، وأنا أقرأ (بستان الليل) للشاعر كاظم مزهر.. حقيقة وليست خيال أقولها: وجدت نفسي حائرًا مندهشًا بعد القراءة الثانية، متجولاً في بستان(كاظم) لا أودّ الخروج متشبثًا بآخر مقطع من قصيدة (تحصيل حاصل):

لماذا لا يصنع المصباح نهارًا

والستائر المسدلة لا تخلق ليلاً

الكائنات..

منها من يحتفل بالحضور

ومنها في الغياب احتفالُه

وآخرون يرسلون بريد أرواحهم بعيدًا

في غفلة من الأشياء المستغرقة بالنعاس

علّها تمنحني مكانًا منزويًا آمنًا أألفهُ ويألفني، لا تهيمن فيه عليَّ آهات النهار الكدرة، نهار التوتر والقلق، لأنني أخيرًا رأيت نفسي نبضةً من نبضات قلب الشاعر، وهو يحلّق في أفقه بمقدرة عالية، من تراكيب شعرية تمثل الترابط والالتزام بوحدة المجموعة ككل، بناء ذي مرجعية فكرية واحدة، أراد بها أن يحقق من إنجازه هذا إفصاحًا ذا دلالة، مؤكدًا على عدم إطلاق تسمية شاعر على كل من ركب سفينة الشعر، نعم إن التجربة الواعية والموهبة الكبيرة التي يمتلكها لم تأتِ من فراغ، بل بتجميع ما بعثره الزمن من احداث متراكمة في حياته، مؤثرات نفسية، حميمية، معيشية، مآسٍ.. لذلك تراه يختلف عن الإنسان العادي، يراقب، يتأمل، يحاكي، يبحث عن ملاذه، يسترجع الماضي، مغذّيًا خلايا الذهن، يتنهد وبحسرات وهو يرى ما تساقط من سني عمره، لذلك تجده أكثر حساسية وهو يستجمع الصور، ويشعر بكائناتها، حركاتهم، أنفاسهم، لهاثهم وراء لقمة العيش، أو تيههم في أرض الله، الأهل، الأصدقاء، الأقارب، زملاء العمل.. الخ، فكان لزاماً عليه أن يلجأ إلى كوّة في جدار حياته، يلج منها ويتنفس، فكانت المطالعة والكتابة، للخلاص من كل تلك التركات الثقيلة لسنين ولّت ولم تعد، ووفقًا لهذه التجربة تنبثق لغة الشاعر التي تساهم في خطابه المائز، هذا الخطاب الذي يكون خالصًا نقيًا للشعر المصفّى، نابعًا من جدلية صراع الأنا مع الكون الكبير، قدر الإنسان، المصير، حتمية الوجود، بعيدًا عن التشتت الذهني للقارئ، تراتيل متداخلة كشفت عن التحام مباشر بين الشاعر والقصيدة، القصيدة والقارئ، تثبيت وإصرار لنشوة ما خفي من فعل مشوّق تجاه رؤية (واقعية/ تخييلية) ملتهبة ومشعّة بصور رُسمت بحرفة شاعر، أتقن موهبته بعد سجال طويل مع النفس، ترك القصيدة تنمو مثل برعم ناتئ طري بحاجة إلى رعاية، فهيّأ التربة الخصبة والأجواء المناسبة، ليغدو نبتة كاملة مكمّلة تشارك قريناتها في بستان الشعر الواسع، وحين يأتي موسم الحصاد تكون هي في أتمّ جمالها، لا تخيّب حبيبها الراعي، شاعرها المبدع، الذي حواها بلطفه وحنانه، فتبدو ببهائها طيّعة تتفاخر بأنّ كل هذا الجمال، كان من ورائه شاعر متمكن، اتخذ منها ملاكًا يسمو به محتفلاً بـ(دندنة المساء) حين التقاه بتباشير فرح:

هل ترى بستانَ الليل؟

ليس لأشجاره زارع

سواك..

ليس لألوانه رسّامٌ

سواك..

والقناديل التي تضيء

هي خطاك المتمردة

في الاشتعال 

 

رغبة في الإعلان

(الكتابة فن البوح الماهر والصعب، هي الحرفة الشاقة والصوت المتفرد الأصيل، وعن اصالة هذا الصوت، كتب الشاعر الصيني ” سونغ زيجينغ ” في ملاحظاته: ” إذا اتبعت أحدهم سوف تظل دائمًا في الخلف، التابو الأول في الكتابة هو أن تمشي خلف الآخرين”. كيف يكون الكاتب أو الشاعر، حاديًا لقافلة الرحلة الخيالية للروح؟: أن يفتح ذراعيه وبصره وبصيرته وحواسّه كلها للعالم، كما لو كان يعوم في مجرة، هي قاصية هناك، إن الإمساك بجوهر الإبداع يكمن خارج الشروح والكلمات، سواء أكان إلهامًا افلاطونيا أو حدسًا برجسونيًا، أو قانونًا فرويديًا، ومع ذلك تبقى ثمة عتمة، بها ” تنهض الغيوم من الغابة الكثيفة للكتابة”)..  شعرية العمر محمود عبد الوهاب ص 119.

 

أرى أن الشاعر (كاظم مزهر) قد تمرّد على تابوّاته، انفرد حاديًا بقافلته المحمّلة بشتى أنواع البضائع، وهناك حينما أرخى الليل سدوله نصب خيمته، وراح بمنأى عن مجايليه ينشد خلجاته، مجرّبًا وصاقلاً لمهارته، بعد أن خاض في تجارب الأوّلين قراءةً وفكرًا، إلى أن التقى برافده العذب وراح يرتشف منه بتلذذ بعد مكابدة وعناء، لامست روحه الشاعرة شفيف ما حدّدتهُ له بوصلة البوح، فرأى نفسه في وسط ثقافي يعج بأسماء كثيرة، لكنه كان يقظًا في درء مهيمنات متشعبة بآراء من حاول صد رغبته في الإعلان عن نفسه، فكان له ذلك، بعيدًا عن لهاث البعض في قفزهم المتقزم، وراء ما يصل من قصائد مترجمة، راحوا يقلدونها دون دراية ودراسة وبحث، فخرجت نصوصهم أشبه بفُتاة أوراق شجرة يابسة بعثرتها الرياح، لا يملكون إمكانية إرجاعها من جديد إلى مسمياتها الأولى، فضاع عليهم ما كانوا ينون إليه من طموح زائف شغلهم لسنوات، فظهرت أسماء عديدة، أصدر البعض منها كتبًا من تلك التي أطلق عليها مجموعات شعرية، لكنها إلى الآن لم ترقَ إلى مستوى الشعر، لأسباب الافتقار إلى عُدّة الشاعر الحقيقي المبدع، التي بفضلها يستطيع القارئ الواعي، وليس العادي أو الغبي، أن يهتم بالمنجز، لذلك ترى بعضهم قد شوّه الشعر، وفقد القدرة على مواصلة الرحلة الشاقة في عالم الأدب والثقافة، فأخذوا يجرّبون ويقلدون عسى أن ينفعهم ذلك، فنقرأ كل يوم أسلوبًا جديدًا يحيلنا إلى شاعر ما، فظهرت أجناس هجينة لا تمتلك أيّ مقوّم من مقومات الشعر العربي، فيما انفرد القليل منهم بمرتبة عليا في الكتابة، ومنهم الشاعر(كاظم مزهر) وخاصة في(بستان الليل)، إذ أثبت أنه أخرج لنا، بعد عمليات تجريب خاضها في مختبره، تحفة تستحق وبجدارة أن تجد لها مكانًا مائزًا في رفوف مكتبات المنازل، كي يحتفي بها القارئ بين فترة وأخرى، ليس بدافع التسلية وتمضية الوقت، بل بالاستمتاع والتحليق وإراحة الذهن من مصاعب الحياة، حيث فضاء المخيلة الواسع الذي يصل به إلى عوالم لا يمكنه دخولها لولا إبداع (كاظم) والتزامه بشروط كتابة القصيدة:

ثانية أكتب عن اختلافي والآخرين

في قيام الوهم من عدمه

الكلُّ يعلم..

لا جسدَ ينتصبُ به الوهم..

كما لا جداول مبتلة بالسراب

يعلمونَ

فداحة الخطى

باتجاه ضبابٍ يتقنُ فكرة التلاشي

كلّهم يعلمُون..

 

جدّية في التفرّد

لم تكن قراءتي مجرد مديح أو تلميع كونه ابن مدينتي، فقد كان من الممكن أن أركن (بستان الليل) في المكتبة بعد الانتهاء من القراءة، لكن فعل التأثير العميق والتفرّد من بين ما صدر في عام (2015) من مجموعات شعرية ولمجاييليه تحديدًاً في البصرة، كان السبب الرئيس الذي جعل قلمي ينقاد للكتابة، اعترافًا وتثمينًا لأهمية هذه المجموعة، التي ستشكل مسؤولية كبيرة على ما ينجزه الشاعر في المستقبل، وأقصد مستقبله الشعري، أنا على يقين بأنّ (كاظم مزهر) له القدرة على إتمام وتطوير مشروعه، كونه حريصًا وجادًّا في هذا الأمر.

كاظم مزهر

* (بستان الليل) مجموعة شعرية للشاعر العراقي كاظم مزهر صدرت عن دار أمل الجديدة . سورية / دمشق . عام 2015.

* كاتب المقال قاص وروائي عراقي.

شاهد أيضاً

فاطمة عبد الله

الموال صوت إنساني ممتد .. فاطمة عبد الله

  يلعب الفولكلور بموضوعاته المختلفة دورًا حيويًا في تشكيل حياة الأفراد وموقفهم من التطور والنمو؛ …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية