أسئلة الإنسان والفكر في حياة بلا عقل .. هفاف ميهوب

هفاف ميهوب

قراءة في «شمس بيضاء باردة» للكاتبة الأردنية كفى الزعبي.   

“حيث يتعفَّن الهواء من فرطِ سكونه.. حيث أعيا الجدران أن تُصغي إلى الأصواتِ والهواجس والمشاحنات والصلوات ذاتها.. حيث يفيضُ الضيق ويخنقكَ ويقدمك وليمة للغثيان.

حيث لا يزهرُ شيء سوى الأوهام والمخاوف.. حيث يطغى على الأفكارِ طنينُ الذباب والفراغ والضجر.. حيث يعشعشُ الجهل ويترعرع على ضفافِ وديانٍ جافة..».‏

حيثُ كلّ ذلك، عاش «راعي» في قريةٍ كانت « تتثاءب حوله بكسلٍ أخضعها للقدر».. قريةٌ، كان ينقّل فيها خيبة نهاراته إلى ذاكرةِ مساءاته.. يراكمُ فيها الأحداث والأفكار.. يتأملها ويستدعي تفاصيلها، وبيأسٍ استشعرهُ يهزمه ولا يترك للأملِ لديهِ أي أثر.‏

إنها اللعنة التي جعلتهُ دائم التحديقِ في العدم الذي يحيط بحياته. يفكِّر بموته في ظلِّ واقعٍ أحكمَ قبضته عليه فخنقه، وإلى أن باتَ لا يملك ما يحيا به ولأجله إلا أسئلته.‏

الأسئلة، التي أطلقتها الأديبة الأردنية «كفى الزعبي» في روايتها «شمس بيضاء باردة» وبلسان شابٍ رغم شعوره بأنه خلق من أجل غاياتٍ عظيمة، وبأنه مختلف، إلا أن واقعهُ جعله يكتشف: «أنا كائنٌ ساقط، أريد أن أموت الآن، وأن ينطفئ هذا الصفير الحارق للندم، وأن ينكتم هذا الدويُّ المؤلم للعار، وأن تخرج روحي من النافذة مع الهواء، وتنتشر في اتِّساع الصمتِ والفراغ».‏

هذا ما اكتشفه، بعد تأمُّله للمدى وهو جالسٌ على عتبة باب غرفته الخارجي، وبعد تخيَّله بأن الكتب التي كانت زاد حياته، هي من سيمكّنه من تجاوز هذا المدى، ومن سينقذه من وعيه المتشائم للعالم، وباتساعِ مخزونها المعرفي.‏

هذا ما اكتشفه، عندما غلبتهُ غريزته، وبانصياعهِ لها وهتكهِ لشرفِ وحياة اليتيمة «عائشة» التي هتكتْ بدورهاِ أفكاره وراحة باله، وطعنته بحقيقته.. الحقيقة التي لاحقته فهزمته، حتى بعد أن أنهى دراسته وترك قريته وسافر إلى «عمان» التي استأجرَ، بعد أن عُيِّن فيها مدرِّسًا، غرفة زادت من وحشته وعزلته.. العزلة التي تفاقمت لديه، بعد أن تشاجر مع والده الذي أحرق كُتبه لأنه رآها تهدر وقته وماله وتُخرّب أفكاره.‏

كل ذلك، جعله يعيش صراعًا يبحث فيه عن الخلود الذي بحثَ عنه «أنكيدو» في «جلجامش». الأسطورة التي أبدعت الأديبة «الزعبي» بمقاربتها مع أحداث روايتها، وعلى مدى أحداثها وبحث بطلها عن أناه التي لم يجد منها:«لا أجد مني إلا صورة قديمة وممزقة، ملقاة في سراديب ذاكرتي، وفي حالٍ يرثى لها، كما لو أن أياديَ كثيرة نكَّلت بها، كأنني فجأة أضعتني».‏

هكذا كانت تتوالى نهاراته ولياليه.. ضيقٌ وضجرٌ وتيهٌ، وخشية من أن تشرق الشمس دون أن يجد ذريعة للأمل، أو وسيلة تضمن له الخلود، أو تعيده لطهارته بولادةٍ جديدة..‏

الولادة التي انتظرها مع الكثير من الصراعات التي عاشها وأشعرته، بأنه «كائنٌ نهاري وآخر ليلي» ودون أن يعرف أيهما هو «المتهور الشبق ليلاً، أم الضعيف الحزين المعذب نهارًا؟.. الوحش الذي مزَّقت عائشة عنه النقاب، أو الإنسان الذي أراد أن يكونه؟»..‏

إذاً، من هو، وما المغزى من وجوده، ولِمَ كل هذا العبث؟! أسئلةٌ أغرقته بالمزيد من خيبته.. أسمعتهُ المزيد من الأصوات التي تحيط به ويشعرها صوته.. الصوت الصادر عنه لا كإنسان، بل كظلٍّ للشيطان «ظلٌّ تائه، مخنوق في جلده. لايكفُّ في بحثهِ عن إلهٍ ينقذه».‏

حتمًا، هو صراع الإنسان العربي مع ذاته وأناه، ومجتمعه وبيئته وتقاليده وأسرته وأفكاره ومعتقداته، وبؤسه وفقره ومعاناته، وأحلامه وتخيلاته وغرائزه وإرادته.. صراعه مع واقعه المأزوم بكلِّ ماجعله يدرك وبعد أن تراكمت فيه وحوله لا جدوى المعرفة، بأنَّ: «مأساة الإنسان هي عقله، فبفضلِ ذكائه اكتشف الشرّ، وفاق بوحشيته كل الكائنات الأخرى. عقلٌ يبرِّر الشرّ بمسوغاتٍ نكذب بها على أنفسنا كي تغدو الحقيقة قابلة للاحتمال. عقلٌ يستثمر الغباء والبله. عقلٌ يبتدع أوهامًا تنقذه من الموت والعدم».‏

أدرك ذلك، في قريته وفي عمان. المدينة التي وجدها «ترعى الأوهام وتعيد ولادتها دون أن تلد ولو غيمة» والتي رأى بأن كلَّ من خالطهم فيها وكانوا يشبهونه، عبارة عن «أرواح مهشَّمة صامتة.. أرواح أنبياءِ البؤس والألم والجوع والضياع».‏

لا شكَّ أنه الإدراك الذي زاد يقينه بأن «أسوأ ما يمكن أن يحصل للمرء في الحياة، هو أن يكون شخصًا مهتمًا بالثقافة. يعيش فقيرًا أو معدمًا في مجتمعٍ رجعيٍّ ينبذه».‏

زاد من يقينه أيضًا، بأن عليه أن يجد نفسه التائهة والمعذبة كما بقية النفوس الإنسانية. لكن أين؟.. أين وهذه النفس «مفهومٌ لا وجود له إلا في اللغة فحسب.. وِشاح كلام مخمليّ يطيب لنا التدثُّر به بعد أن نطرِّزه بظلالٍ ومعانٍ سامية»..‏

ويستمر.. يستمر في أسئلته الفكرية والوجودية التي جعلته في حالة بحثٍ دائم عن جدواه. جدوى إنسان «من انفعالاتٍ، وفريسة مستباحة للخيبة والخذلان».‏

يستمرُّ وتتفاقم الأزمات لديه ولدى صديقين وجدهما، أشدّ عجزًا منه على مواجهة واقعهما في ظلِّ عالمٍ تحترق فيه البلدان وتقتتل، ويُنحرُ الإنسان فيه باسم إلهٍ، ما أكثرَ الذين هَدروا في سبيله وجهَ الحياءِ بأوجهِ المعتقدات والأديان.‏

يستمر بالكثير من التأمل فيما قيّده بعجزه وفكرة موته.. فيما انتظرهُ من حبٍّ داهمه ففاجأه بأن من عشقها ليست إلا أرملة صديقه الذي كان الأقرب إلى حياته وأسراره وأوجاعه.. صديقه الذي انتحر ليتخلص من معاناته، والذي رحل تاركًا له دمه، روحه، قصته، صوته.. صوت «جلجامش» في أسطورته: «اسنديني أيتها السماء. اسنديني وتقبّلي دموعي قرابين بدلاً من الدماء.. أنا الكائن الهزيل والضئيل الذي يعود متسائلاً عن مغزى الألم».‏

يسمع الصوت، فيُلحُّ في إسماعهِ للمعشوقة التي حمَّلها وزرَ الموت.. تردُّ بحكمتها التي زادت من تشظِّيه، والتي غادرته وبقي صوتها يناديه: «الحياة لا تحارب أحدًا.. أنت وحدكَ من يهزمك.. الحياة لا تحارب ولا تصادق.. الحياة بلا عقل».‏

هل يجنّ؟.. ربما، فكل ما حوله يدور في الجنون ويدعو إليه.. ربما، بل بالتأكيد وهو حال إنساننا العربي في زمنٍ هزمته فيه الحياة بلا عقلها، بعد أن واجهها بجهلِ العقلِ لديه.‏

 * «كفى الزعبي».. أديبة أردنية، عاشت في موسكو أكثر من عشرين عامًا.‏

درست في جامعة «ليننغراد».. بعدها، تفرّغت لكتابة الروايات، منها « سقف من طين» و« س» و« ليلى والثلج ولودميلا» و« ابن الحرام» و« شمس بيضاء باردة» التي وقَّعتها مؤخرًا في «معرض كتاب مكتبة الأسد الوطنية» بدمشق.‏

شاهد أيضاً

هفاف ميهوب

قراءة في «الفراش المغناطيسي» لأسعد الجبوري .. هفاف ميهوب

«كنا كما لم نكن الآن، نجتمع في مجرى الحطام مرة كل دقيقة. الأملُ عندنا فاكهةٌ …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية