أزيز.. إيمان الزيات

إيمان الزيات

ساقاه الملقتان على الأرض بإهمال كممسحة في مدخل المقهى تعيق حركة الجميع، تلطم وجه القهوة من يد “شبارة” الذي كاد ينكفئ على وجهه لولا أنه استعاد توازنه في آخر لحظة، اعتدل ونظر لمن فقد يقظته منذ جلس منتظراً منه كلمة تطيب خاطر انكفاءته، لكنه لم يلتفت إليه كأن شيئاً لم يحدث قط، فانصرف مستأنفاً طريقه إلى “النصبة” وهو يتمتم تمتماته الحانقة على زبائن المقهى وعجائبهم.

من بعيد تناهى إلى مسامعه صوت صاحبه الذي كان يناديه ليهش عنه ذلك الحزن الرابض إلى جواره منذ شهور، لكن وجهه الثابت على توليه عن الجميع قطع الطريق على صوت الصديق فجلس منهزماً على كرسيه، مستنداً إلى حائط الصد، تاركاً متعة الصحبة للحزن الأسود الذي اتكأ على ركبتي “الآخر” مكشراً عن أنيابه لكل مقترب.

لم يكن مدركاً تمام الإدراك لما يحاولون أن يفعلوه جميعاً – أهل اليقظة- على أي حال إنه لن يتحرك فلو أراد الحركة لفعل حين تحطمت حياته منذ ثلاثة أشهر، وفقد أشياء ليس له أن يفقدها كحلمه وكرامته.

ابتلع مرارة سكنت حلقه، ثم حاول القفز فوق تلك الفكرة بالتفكير في أمر آخر كقلمه مثلاً، فلم يعد يستطيع الكتابة، صار ينظر للأوراق كأُمِّي لا أفكار لديه، إذا كتب لن يبدو مقنعاً بالتأكيد لأنه كفر بكل شئ وقرر أن يعيش كفره لا أن يكتب عنه، فهكذا وهكذا فقط سيكون أمينا وواقعياً ومقنعاً لنفسه على الأقل.

إنه يريد حقيقة واحدة يحرك من أجلها حواسه من جديد “سمعه، وبصره، وفؤاده…” حتى وإن كانت تلك الحقيقة هي هذه “الذبابة” اللحوح التي تقف على طرف أنفه الآن، وتنظر لعينيه بغباوة مستفزة، محركةً جناحيها ومصدرة أزيزاً لا يفتر.

نعم إنها حقيقة ولكنها قد اختارت توقيتاً خاطئاً لتقف بين عينيه.

 بعض الأشياء تلقيها الأقدار في طريقنا لنكون سبباً في موتها على الرغم من أننا لا نحمل لها أي ضغينة تذكر، فقط نكون مضطرين لذلك، لأنها قد ظهرت في طريق خاطئ وقررت أن تمارس عبوراً غير آمن وغير مسموح به بين أرصفة حياتنا.

(كونفوشيوس) يهمس في رأسه:

“أيها الكاتب الذي لا أفكار لديه، الآن صار لديك فكرة، أنت تريد أن تقتل تلك الذبابة أرى ذلك في عينيك، لا بأس ولكن لا تقتل الذبابة بالمدفع”.

ربما تكون قد راودتني الآن فكرة بحق!

هز “ميكافيلي” رأسه مؤيداً، ثم قال: “صحيح، إن غايتك النبيلة في الحصول على الهدوء تبرر الوسيلة.

زوجته التي لا يعرف من أين أتت تفرقع اللبان في طبلة أذنه، وتمد له يدها “بالمنشة”!.

حرك رأسه ليسكتهم جميعاً “كونفوشيوس”، و”ميكافيلي”، و”زوجته” اللجوج، وجميع الناس في المقهى حوله.

إنه لا يريد قتل تلك “الذبابة” لم تكن تلك هي الفكرة التي يبحث عنها، إنه يريد فقط إسكاتها وإسكاتهم، وهي لا تكف عن الأزيز، وهم لا يتوقفون عن الثرثرة!

عليه فقط أن يختار وسيلة ملائمة لإسكات الجميع والتمتع بأبسط حقوقه في صمت هانئ، حتى يستطيع الحصول على فكرة حقيقية تستحق الكتابة.. تستحق الحياة.

جمع ساقيه للخلف ثم رفع رأسه، نزع غطاء قلمه فلمع سنه الحاد، رفعه لأعلى وقرر أن..

يقتـــــــــ..

يكتب شيئاً ما.

شاهد أيضاً

وديع أزمانو

هذا قلبي .. وديع أزمانو

  لا أبكي ولكنها دماءٌ صعدت إلى عينيّ فابيضَّتِ الرؤيا وتساقطَ مطرٌ كثيفٌ من كتفِ …

تعليق واحد

  1. استاذة إيمان الزيات .. قصة رائعة

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية