أرضٌ تطير .. ناصر قواسمي

ناصر قواسمي

 

الخامسةُ صباحًا

أُعد قلبي لنهارٍ من بُندُقٍ وتبغ

وأفُض عن عيني الخوف من المجهُول

كعُشبٍ

يستظل بظل السُور المرمي في النسيان والتلاشي

وفي الذهُول

أنهضُ من اللاوعي

من دهشة القلق في السرير

وأُمشي في اللانهائي الأخير

كسائحٍ يجمعُ الصُور والمُفردات

هذي الجُدران أعرفُها

وتعرفُني التفاصيلُ الكثيرةُ في الجوار

الكنبُ الأخضر/ لونُ الطلاء/ قميصُ النافذة

إطارُ المرآة

صوتُ الماء في أواني الزُجاج والفخار

كُوبُ القهوة

وجهي المُلتصقُ على الجدار

تعرفُني بالتقادُم والتذكار

أجُس الباب وفي الباب

بقايا من بقايا أصابعي وأنفاسي

وفي الباب

صوتُ بنتٍ

تُحدقُ في طعم الشجر والأسباب

وتقُولُ (كُن بخيرٍ)

وعد سالمًا من حادث النسيان والغياب

 

الخامسةُ صباحًا

أهش عن وجهي ملامحي،

وأنفُخُ في قلبي ليطفيء قنديلهُ الزيتي

أو يتسمر عند مقبض الشجر في الحديقة

عند ارتطام الحقيقة بالحقيقة

وأمشي

كأني سواي يمشي في مجاز الذهاب

كأني الغيابُ

وحمامٌ ينقرُ فمي ليسلُق السؤال في التُراب

خشبٌ يُصيرُني

والعتمُ يُوزعُ الحصص على النائمين

الذاهبين

العائدين من صلاة الفجر خفافًا

كالنوارس المُثيرة

كظلالٍ من سراب

ثلاثٌ وأناي

نحتسي أول الضوء

آخر ما يستطيعُ القلبُ من نفسٍ

ونذهبُ كما يذهبُ الهواءُ في نايٍ وحيد

ونمضي كما يمضي اليتامى في العيد

طريقٌ تحملُنا في الآخر المشوي كعصفورة البلد

كظل في الأبد

والرماديُ

يحُط على الإسفلت غير الصالحِ للتنفُس

تركتُ الريح

وأفلت من يدي يدي لتذهب في الأبدي

في المُضارع القاتم على نفسه

وأتممتُ سكب رُوحي على الشبك الأخضر

اللاأخضر

وفكرتُ

هل سأراك من جديد؟

أيها المفتُوقُ من جسدي يا باب الحديد

هل سأراك من جديد؟

تمشي الأرضُ تحتي

وقفصُ صدري يتقلصُ ويتمددُ

لكن النفسُ عنيدٌ في الرئة الناسلة

من قد الوريد

ما عاد للشأن شأنٌ

الآن يتضحُ المعنى

والمجازُ صار يبتعدُ في الظل الأكيد

بائسٌ هُو الظل في العتم

والضوءُ الباهتُ ينفشُ ريشهُ بوجه المُسافر

أين يُسافرُ المُسافر في ضُحى آب؟

وأين الذهاب؟

سماءٌ تتكوم على بعضها في الشارع العام

ويبتسمُ الرُخام

لا شأن للشأن الآن

والمُسافرُ

يقد رُوحهُ من رُوح الحديد

ويُصاب بالغياب

من اُودي بالعطر في النهايات السحيقة؟

من اُودى بالحقيقة ؟

ولماذا الآن ضاقت المُستديرةُ بالطريقة؟

مُسافرٌ والناسُ نيام

تقتُلُهُ الطريقُ ويقتُلُهُ الهواء

فلا صُور ولا أسماء

ثلاثٌ وأناي

نشقُ الشرق نحو الغرب ونبتعدُ

وبعد هُنيهةٍ سنغتربُ

فأذهبُ مع أناي وحدي

وتتسعُ المسافةُ بيننا كتُفاحةٍ أو خنجر

كشمسٍ عن الغُرُوب تحتجبُ

هُنيهةٌ

ويُصيرُ الحُلمُ مُستحيلًا

ويصيرُ الغيابُ بطل الرواية

ويُقل الكثيرُ

 

الخامسةُ صباحًا

تنهضُ الأرضُ من نومها

وإلى السماء تطيرُ

* فلسطين ـ تونس.

شاهد أيضاً

مصطفى الجارحي

نلعب كلام .. مصطفى الجارحي

  فيه وجود وفيه عدم فيه أَيس ولَيس.. وفيه تجلِّي للمطر يتسمَّى غيث حتى الأسد …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية