أحلام صاعدٍ في تمام سقوطه.. أحمد بنميمون

أحمد بنميمون

أقسى أغنياتي ما يتدفق على شفتيّ كالدمع ساخناً، لذلك تغيب عن لساني الأشياء حين ينطلق صوتي بها، فيدهمني الحلم حتى وأنا أغرق في يقظة تتمسك بي أسنانها بوعي حاد: الجو الذي يحضنني قليل الإضاءة، مثل يوم غائم، أو حالة نفسي أيام أواخر أسابيع كنت لا أجد فيها ما ألبي به أدنى رغباتي، لكنّ حلمي كان سرعان ما يرفعني، ويمضي بي، في غير عنف منه، أو استسلام مني، إلى أن يلقيني بين يدي نهر غالباً ما كان يهدر وإن كان صغيراً، ويغزر حين يفيض، وإن كان قريب الشبه بجدول يتطاول على جانبي خندق واسع فيعيي عبورُه، من أيِّـما جهة، الشيخَ والطفلَ، فيظلان يريان إليه ـ وهما يرنوان إلى أحلام مضت وأخرى لم تمضِ، أما الطفل فكان يفضل استحضار جلسات في ليال كان جيْبُه فيها فارغاً “ورغم ذلك لم أكن أضيق بجلسائي الذين كنت أسعى إليهم” يفكر الطفل في رقة زائدة، بل كان يسبقه قلبه إليهم، لأنه لم يعرف أنه ذكرهم يوماً بسوء، ولا كان رفاقه أيضاً يفعلون.

اليوم فقدت تلك المدينة دفء علاقات طفولته الغابرة، كما مات بين زوايا طرقاتها ودُّ قلبِ كُلِّ حميم، كان يفيض دمعاً كلما رآني أكاد أسير على الغيم من خجلي وأنا أدنو منه، يومَ كنت أحمل أحذية من أحلام، لأنني قل أن كنت أخطو إلى أية أمنية إلا حين كنتُ أنام.

أفلا يزال بين الزوايا هناك  قلبٌ مثل هذا، ولو كان في صدر طفل؟

أنا الآن أكاد أجزم بذهاب معظم ما راودني أمس، واختفائه في إهاب حاضرين بها، مصلوبين على كل جدرانها، لذلك قل أن استسلمتُ لأوهام  حنين غير واعٍ، أخرسها حتى لا تحدثني برغبة رجوع إلى ما عشت، فما زلت أبعد أخيلتي أن تنتقل بي إلى أبعد مما أخطو عليه من شارع هذا النهار، فيبعد عن إدراكي أن أرى أشباحاً راكضةً، أو صوراً ممحوة من ماضٍ زال، فأنا أنزحُ بالروح الآن فراراً من بؤس دياجير زوايا عاريةٍ فيها يتنكر فيها الإنسان لأصلاب منه، وتنقطع الأرحام حتى ينساها من كان استعجل منها ما تبلعه الأرض وتقذفه الآفاق غيوماً لا يفتر منها ما تذرفُهُ الآماق.

لا أحباب هنالك لي إلا من دفنوا في تربتها، لا خافق يمشي فوق ثراها تحت النور، لا باب السوق بها سيدة الأسواق، ولا باب العين ترى ما هاج بها من رمد أعماها،

فاستبدلت الليل يُضللها بجمال الإشراق. وعلى باب المحروق تركنا كل الآمال، ودفنّا كل الأشواق.

* المغرب.

شاهد أيضاً

وديع أزمانو

هذا قلبي .. وديع أزمانو

  لا أبكي ولكنها دماءٌ صعدت إلى عينيّ فابيضَّتِ الرؤيا وتساقطَ مطرٌ كثيفٌ من كتفِ …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية