أحضان مالحة .. ريمة راعي

ريمة راعي

 

ـ عبد الله لم يأت..

أتى صوت جفرا مختنقاً بالدموع عبر الهاتف، فصاحت سوار: آه جفرا! حتماً ثمة أمر أخّره، هو يعلم أنّ عليه إجراء الاختبارات الطبية لإتمام أوراق الزواج.

ـ اتصلت به عشرين مرة ولم يجب. وأنا أنتظر في العيادة منذ أكثر من ساعة.

ـ لعلّ حادثاً ما وقع له.

ـ لعلّه تراجع.

شردت سوار للحظات كانت تستعيد فيها أحاديث جفرا عن باريس، وجسر العشاق، والحفلات الصاخبة، والسير حافية في الحدائق والأيام المدهشة، التي أمضتها هناك حرّة مثل سمكة في مائها. لكنهّا عوضاً عن أن تقول لجفرا إنّها لطالما اعتبرت أنّ عبد الله أقلّ من أن يحبّ امرأة مثلها، قالت له بصوت خافت: سيأتي حتماً، هو ليس ولداً.

ـ أنا بحاجة لوجودك قربي. تستطيعين المجيء؟

ـ طبعا سآتي.     

أعادت جفرا جهازها الخلوي إلى حقيبتها، وجلست على أحد الكراسي، تتأمل العبارات المكتوبة على الملصقات الملونة المعلقة على الجدران، والتي تحذّر المقبلين على الزواج من مخاطر التلاسيميا، وغيرها من الأمراض، التي تنتقل من الآباء المصابين إلى الأبناء.

وبينما كانت تجول بعينيها في أنحاء العيادة تنبّهت إلى وجود أربعة كراسٍ متجاورة في كل جهة من جهات صالة الانتظار، وفكرت بأنّ جلوسها وحيدة يشكّل خللاً في النظام المُعد له في هذه العيادة، فلا مكان هنا لامرأة وحيدة. شردت قليلاً ثم قرّرت أنّ هذا الفراغ الموجع في الكرسي قربها، ليس فقط هنا، بل موجود أينما ذهبت.

هو قانون كوني، يشترط أن يكون لكلّ إنسان رفيق من الجنس الآخر كي يبقى منسجماً مع فطرته السليمة. القانون، الذي دفعها هي العلمانية المثقفة والمتحررة، لقبول الارتباط برجل أمضى حياته متنقلاً بين الجوامع، ولم يقرأ في حياته إلّا كتبه المدرسية والقرآن، الذي يستخدم ما ورد فيه، لحسم أي نقاش أو جدال. ولعلّ الفكرة الوحيدة، التي استمدّها منه وراقت لجفرا، هي أنّ الله يغفر للتوّابين، وبالتالي من هو حتى لا يغفر لها، وهو البشري الضعيف الخطّاء. رغم أنها لطالما رغبت بأن تقول له إنّها لم تذنب كما يقول، ولا تحتاج صك غفران منه أو من غيره، فهي لم تبع جسدها أو تتاجر فيه، ولم تكن في وادي الآثمين المظلم يوماً، بل في فضاء رحب، وصل نوره إلى أبعد زوايا روحها.

ابتسمت جفرا بسخرية، بينما تفكر كيف أنّ حياتها الحرّة والحقيقية، التي دافعت عنها طيلة عمرها، هي خطيئة تستوجب الغفران وبالتالي العرفان للرجل الذي غفر لها ماضيها، مانحاً إياها الفرصة لتكون زوجةً وأماً، شبيهة بآلاف النسوة اللواتي لطالما أثرن شفقتها.

رفعت كتفيها النحيلين إلى أعلى، بعد أن اكتشفت أنّ أفكارها المحنية قد أحنت قامتها، وسألت نفسها السؤال الذي تتحاشاه منذ ساعات: ترى هل اكتشف أنّه أكثر ضعفاً من أن يخالف قوانين عائلته المحافظة، ويتزوج امرأة ذات تجربة، وليس فتاة يكون هو المسؤول عن جعلها امرأة؟

رغم أنّه يعلم أنّ الكذب مباح وهيّن. وكان بإمكانها أن تكذب عليه كما تكذب غالبية النساء في بلدها، ولم يكن الأمر ليحتاج أكثر من نصف ساعة في أيّة عيادة نسائية تستعيد خلالها عذريتها المقدّسة لتمنحها لزوجها، وتحتفظ لنفسها بعذرية روحها، التي لم يقترب منها رجل يوماً. لكنّها أرادت أن تكون جفرا الحقيقية والصادقة، التي كان يقول إنّه يحبّها لهذه الفضائل.

كانت الساعة قد قاربت الثانية عشرة، ساعة الذروة التي تمتلئ بها العيادة بالمقبلين على الزواج. تخلّت جفرا عن مقعدها لشاب وفتاة يبدوان صغيرين في السن.

همس لها الشاب: لا أرجوك ابقِ جالسة.

ابتسمت وقالت: مبروك.

ضحكت الفتاة وقالت: نحن ضابطان في الجيش. أخذنا إجازة للقدوم باكراً، ورغم ذلك وصلنا متأخرين.

نظرت جفرا بدهشة لا تخلو من الحسد إلى الفتاة ذات القامة الصغيرة والمتشبثة بذراع خطيبها، وابتسمت بينما تقول لها: في حماية الله.

بينما كانت جفرا تتمشى بخطوات ثقيلة في أرجاء الصالة، تناهى إلى سمعها صوت بكاء أنثوي آتٍ من غرفة سحب الدم. اقتربت من باب الغرفة المفتوح لترى فتاةً لا تتجاوز العشرين من عمرها ممددة على كرسي سحب الدم، وقربها ممرضة تمسك ذراعها بيد وتحمل باليد الثانية إبرة. كانت الفتاة تبكي، بينما خطيبها الممدد على الكرسي المجاور يبدو جامداً دون أيّ تعبير على وجهه، ما جعل الممرضة تهّز رأسها بامتعاض، وتسأله: ما بال خطيبتك هشة؟ فابتسم دون أن يجيب.

نظرت جفرا إلى الفتاة الباكية وفكرت بأنّ وراء دموعها ما هو أكثر عمقاً من خوفها من وخزة إبرة. لعلّه البكاء الأكثر قدماً في تاريخ النساء: بكاء امرأة تشعر بالخذلان ممن تحبّ.

 

استندت جفرا إلى الحائط بينما تستعيد بصورة مباغتة وجه إيليا؛ حبيبها الأول، الذي كان يعمل عازف غيتار في فرقة موسيقية، ويعيش حياته ببوهيمية نادرة، وصلت به إلى حد عدم إكمال دراسة الأدب الفرنسي في الجامعة، لأنّه رأى أنّ الدراسة مضيعة للعمر.

تعرّفت إليه في السينما، حين كانت طالبة في سنتها الثانية في كلية الطب، تعشق الأفلام، وغالباً ما تذهب إلى السينما وحدها. وكانت تبدو غريبة ومثيرة وهي تجلس وحيدة دون رفيق لتشاهد فيلماً. هكذا قال لها إيليا لاحقاً، هو الذي كان قادماً أيضاً دون رفيق.

ورغم أنّها سبق وحضرت فيلم (شوكولا) إلّا أنّها لم تستطع مقاومة مشاهدة تلك المرأة الساحرة مرةً ثانية. المرأة، التي جاءت مع العاصفة إلى إحدى القرى المسيحيّة المتدينة، لتفتح في شهر الصيام محلاً لبيع الشوكولا، وتصبح بسكاكرها وحلوياتها رمزاً للشيطان، الذي يغوي الصائمين بتذوق ما حُرّم عليهم في ذلك الشهر. وبعد أن رفضت دعوة العمدة للذهاب إلى الكنيسة أيام الآحاد، باتت عدوة الكنيسة وعدوته، هو الناسك، الذي يكتفي بكسرة خبز وكأس ماء.

وبينما كانت جفرا تشاهد بشغف المشهد الذي يتسلّل فيه العمدة إلى متجر الشوكولا ليلاً، ليحطم الأواني والعلب المليئة بالشوكولا، ثم يلحظ فجأة أنّ أصابعه تلوثت بالشوكولا، فيبدأ بلعقها، ويصاب بنوبة جنون يأكل خلالها كلّ ما يراه أمامه.

همس لها الشاب الجالس قربها، والذي لم تستطع تجاهل رائحة عطره القوية: هذا المشهد جدير بالتدريس، ومقولته إنّ الكبت هو الخطيئة الكاملة.

التفتت جفرا، لترى عينين خضراوين تلمعان في الظلام، فهمست: أو أننا يجب ألاّ نقيس فضائلنا بكمّ الأشياء التي لا نفعلها.

ابتسم لها بينما يشير بيده إلى المرأة التي فوجئت بالعمدة غافياً بين أوعية الشوكولا المحطمة، فأيقظته بحنو قدّيسة، وساعدته على النهوض، لتنظّفه من الشوكولا، بينما تعده بألّا يعلم أحد في البلدة أنّ عمدتهم قد كسر صيامه.

ولعلّ فكرة الشوكولا هذه كانت أحد أسباب اتفاق جفرا وإيليا على أنّ الكبت ليس فضيلة، وجعلت خروجهما معاً من السينما أمراً أقلّ غرابة مما يفترض. ليكونا منذ ذلك اليوم حبيبين، ولتنطلق جفرا معه في رحلة التعرف إلى جسدها، وتغرق في طقس نبش الجماليات والتمرغ بها.

لكنّ إيليا الساحر، الذي كانت جفرا تناديه زوربا، كانت لديه، كما جميع البشر، ثقوب صغيرة تسيل منها فتنته يوماً تلو الآخر. فمزاجه المتقلّب يتحكّم في حياته، ويحوّله فجأةً إلى إنسان بدائي يثور لأتفه الأسباب، عدا عن قدرته المفاجئة على استعادة بداوته بين الحين والآخر، رغم ادعائه بأنّه انتصر عليها منذ عصور. بداوة كانت جفرا تلمحها خلف نظرات الشك في عينيه كلما رآها بصحبة زميل أو صديق. وكان لابد لقصتهما من أن تنتهي، بقرارها السفر إلى باريس لإكمال دراستها العليا في طب التجميل. لأنّ كلاً من إيليا الزوربا وإيليا البدوي، كانا عاجزين عن منحها ما تريد. ولكلّ أسبابه، فزوربا لا يؤمن بفكرة أسر حبيبته في خاتم ذهبي، في حين أنّ البدوي لا يثق بها، ويعتقد أنّها مثله عبدة لجسدها ورغبتها، ويجهل أنّها تحرّرت من كلّ عبودية يوم أحبته.  

شاب وفتاة يضحكان بصوت عالٍ، وهما يدخلان العيادة، أعادا جفرا إلى الواقع، واقع أنّ خطيبها لم يأتَ.

ريمة راعي

* فصل من رواية «أحضان مالحة» ـ للكاتبة السورية ريمة راعي.. صادرة عن دار بيسان للنشر والتوزيع بيروت ـ 2017.

شاهد أيضاً

فتحي عبد السميع

قاطع الطريق الذي صار شاعرًا .. فتحي عبد السميع

  أمشي كأيّ لصٍّ تقليدي ينشلُ جديًا من حظيرةٍ أو درّاجةً من شارع. حسّاسٌ ونبيه …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية