أجمل ما كتبته أحلام مستغانمي في «الأسود يليق بك»

أحلام مستغانمي

 

اختيار: لورا منسي

في تلك المرّة الوحيدة التي جلسا فيها في حديقة عامّة؛ أصيبت بالذعر حين مرّ بهما أحد المختلّين وهو يتشاجر مع نفسه، ويشتم المارّة ويهدّدهم بحجارة في يده، ظاهرة شاعت بسبب فقدان البعض صوابهم وتشرّد الكثيرين إثر الحرب الأهليّة، وما حلّ بالناس من غُبن وأهوال.

ما زالت تضحك لتعليق مصطفى يومها وهو يطمئنها:

ـ لا تخافي، نحن هنا في عصمة المجانين.. لو داهمتنا الشرطة سأتظاهر بالجنون وأضربك فينصرفوا عنّا.. إنّهم لا يتدخّلون إلّأ إذا قبّلتك! الحياء نوع من أنواع الأناقة المفقودة، شيء من البهاء الغامض الذي ما عاد يُرى على وجوة الإناث. الحب هو اثنان يضحكان للأشياء نفسها، يحزنان في اللحظة نفسها، يشتعلان وينطفئان معًا بعود كبريت واحد، دون تنسيق أو اتّفاق. الحب لا يعلن عن نفسه، لكن تشي به موسيقاه!

كان يعتقد أنّه يمتلك ثقافة البهجة، بينما تملك هي ثقافة الحزن، ولا أمل في انصهار النار بالماء، فكيف انقلبت الأدوار، وإذ بها هي من يشتعل فرحًا، بينما شيء منه ينطفئ، وهو يتفرّج عليها تغنّي؟ ربما كان يفضّل لو خانته مع رجل، على أن تخونه مع النجاح، النجاح يجمّلها، يرفعها، بينما اعتقد أنه حين ألقى بها إلى البحر مربوطة إلى صخرة لامبالاته، ستغرق لا محالة.

الثراء الحقيقي لا يحتاج إلى إشهار الذهب، لا يعنيه إبهار أحد، لذا وحدهم الأثرياء يعرفون، بنظرة، قيمة أشياء لا بريق لها.

استفاقت ولا أحد. رجل عبرها كقطار سريع، دهس أحلامها وواصل طريقه بسرعة الطائرات، فالوقت هو أغلى ما يملك، لا وقت له ليرى ما خلّفه مروره العاصف بحياتها من دمار، أشجار الأحلام المقتلعة، أعمدة الكهرباء التي قطع الإعصار أنوارًا أضاءت حياتها، سقف قلبها المتطاير قرميده، ونومها في عراء الذكريات.

استيقظت على منظر الورود التي ازدادت تفتّحًا أثناء الليل. لولا أنّها تنقصها قطرات الندى لتبدو أجمل، فهكذا اعتادت رؤيتها في طفولتها في صباحات مروانة الباكرة، تدري أنّ ما من أمل في أن يتساقط الندى على ورود المزهريّات أو يحطّ على مخادع الفتيات الوحيدات! وحدها الورود التي تنام عارية ملتحفة السماء، مستندة إلى غصنها، تحظى بالندى.

كان دائم البحث عن امرأة تُفقده صوابه، يقوم من أجلها بأعمال خارقة، يمارس أمامها خدعه السحريّة، يضعها في صندوق زجاجي، يشطرها وصلاً وهجرًا إلى نصفين، ثم يعيد بالقُبل جمع ما بعثر منها، ككبار السحرة، يُخفي بحركة ساعة معصمها، ويخطفها لقضاء نهاية أسبوع في فيينا أو البندقيّة، يُلغي من أجلها مواعيد، ويخترع للقاء بها مصادفات، يُخرج لها من قبّعته السحريّة سربًا من حمام المفاجآت، وحبلاً من المناديل الملوّنة، تتمسك بطرفه وترتفع إليه، ففي كلّ ما يُقدِم عليه مع امرأة، ما كان يقبل بغير الحالات الشاهقة والصواعق العشقيّة.

من مكر الأسود قدرته على ارتداء عكس ما يضمر. عندما نفقد حبيبًا نكتب قصيدة.. وعندما نفقد وطنًا نكتب رواية.

شاهد أيضاً

تعرف على الأحداث الثقافية والفنية العربية حتى 9 مارس 2019

  الأحد 3 مارس الكويت.. أيام المسرح للشباب تنطلق الدورة الثانية عشرة من مهرجان أيام …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية